كانت المحطة تبدو كأنها مكانًا نسي أن يختار انتماءه. ليست أرضًا تمامًا، ولا سماءً تمامًا. فضاءٌ طويل تعبره القطارات، ويترك فيه العابرون شيئًا من دخان سجائرهم، وشيئًا من أعمارهم.
جلس الفتى على قطعة قماش باهتة، رتّب فوقها ساعات توقفت منذ زمن، وكؤوسًا مشروخة، وغلايين بألوان أطفأتها السنوات. كان يراقب المارة بصمت. كلما اقترب وقع حذاء، ارتفع نبض قلبه قليلًا، ثم يهدأ حين يواصل صاحبه طريقه دون أن ينظر.
توقف رجل.
انحنى، والتقط غليونًا بنيًا. قلبه بين أصابعه ببطء، مرر إبهامه فوق خدوشه، ثم أعاده إلى مكانه.
تنفس الفتى بخفة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة راحة خاطفة.
ابتعد الرجل.
أغمض الفتى عينيه، وبدأ يعد في سره.
واحد...
اثنان...
وقبل أن ينطق الثالثة، جاءه صوت من خلفه:
بكم هذا الغليون؟
فتح عينيه، ونظر إلى الرجل،عيناه حزينة،كأنه سيفقد عزيزًا....
بخمسمئة.
أعاد الرجل النظر إلى الغليون.والى وجه الصبي، بقي صامتًا لحظة، ثم أخرج النقود، وضعها في يد الفتى، وحمله ورحل.
ظل الفتى يتابع ظهره حتى ابتلعه ازدحام المحطة.
عندها جمع بضاعته، وحمل قطعة القماش على كتفه، ومشى.
بعد مسافة، قرب عمّال ينقلون الرمل لبناء جدار جديد، جلس على حجر إسمنتي. أخرج من حقيبته غليونًا آخر، يكاد يشبه الأول. غرس يده في الرمل، وأخذ يفرك الخشب ببطء، ثم نفخ عنه الغبار، وقلبه بين يديه مرة، ومرتين.
تأمله لحظة.
أعاده إلى الحقيبة، ونهض.
وفي اللحظة التي تحرك فيها، مر قطار آخر، وابتلع صوته ما بقي من وقع خطواته.