| أقلام مبدعة | اضافة رابط يوتيوب | نجم الأسبـــوع | اضافة خلفية للموضوع | إبداعاتِكم | قوانين مجتمع غلاك |
|
|||||||
| القصص والروايات والمسرح قصص, قصص قصيرة, روايات, مسرحية " يمنع المنقول" |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #1 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]()
| لم يكن الطريق بين بوسان وسييول طريقًا يُقاس بالمسافات فقط، بل بالألسنة التي تتعثر حين تعبر من الجنوب إلى الشمال، وبالوجوه التي تتبدل ملامحها كلما اقترب المرء من العاصمة. كانت بوسان، تلك المدينة التي تنام على كتف البحر، تُشبه بحّارًا ثريًا تفوح منه رائحة السمك والملح والعرق، بينما كانت سييول ترتدي قفازات الحرير وتدّعي أنها لا تعرف كيف تُمسك المجداف. أهل العاصمة كانوا ينظرون إلى أهل الميناء كما يُنظر إلى الطين العالق أسفل الحذاء، مع أن الذهب كان يمر من بين أصابع ذلك الطين كل يوم. وعائلة “وانج” كانت تعرف هذا جيدًا. كان اسمهم يُقال في الموانئ كما تُقال أسماء العواصف. سفنهم الطويلة، ذات الأشرعة الداكنة، كانت تعود من الهند والصين محمّلة بالتوابل والحرير والعطور والأشياء التي تجعل البشر يقتتلون من أجل الرفاهية. وكان الميناء، كلما لمح راياتهم، ينتفض كأن البحر نفسه عاد حيًا. لكن وانج الكبير، سيد الأسطول، كان يعيش بلعنةٍ لا تُشترى بالمال ولا تُهزم بالقوة. رجلٌ له زوجات أكثر من مواسم المطر، ومحظيات يتبدلن كالقمر، ومع ذلك بقي وحيدًا أمام فكرة الامتداد؛ كشجرة كرزٍ مزهرة لا تُثمر أبدًا. كان يرى في عيون إخوته شيئًا يشبه الانتظار ال***، انتظار موته تحديدًا. كانوا يبتسمون له في الولائم بينما يخفون خلف الأسنان حسابات الإرث وتقسيم السفن والغرف والخدم وحتى الملاعق الفضية. ولذلك كان البحر ملاذه الوحيد. تسعة أشهر هناك، وسط الموج الذي لا يسأل الرجل إن كان عقيمًا أم ملكًا، وثلاثة أشهر هنا، على اليابسة، حيث العيون تُحصي عدد النساء الخارجات من قصره أكثر مما تُحصي النجوم. كانت المحظيات يختفين. ثلاثة أشهر؛ هذا هو العمر المعتاد لأي امرأة تدخل القصر. بعد ذلك تتبخر كأنها لم تكن. ووانج كان يقول دائمًا إنهن رحلن، لكن المدينة لا تصدق الأثرياء حين يتحدثون عن الرحيل. المدينة كانت تؤمن بشيءٍ آخر: القتل. كانت الهمسات تدور في الأزقة الضيقة مثل الجرذان: “إنه يدفنهن.” “البحر يأخذهن.” “هو يقتل كل امرأة تفشل في منحه وريثًا.” ولم يكن وانج ينفي أو يؤكد. كان ينظر فقط إلى البحر، كأن الموج وحده يعرف الحقيقة. ثم جاء ذلك اليوم. كانت السفينة تشق طريقها عائدة من الهند، والسماء بلون الرصاص المبلل، حين ظهر الفتى. لا أحد عرف من أين خرج؛ كأن البحر لفظه فجأة. عينان زرقاوان على نحو غير مألوف، زرقة باردة تشبه شتاءً أوروبيًا ضل طريقه إلى آسيا، وبشرة عاجية لا تليق بعمال السفن. كان نحيلًا، مبتل الثياب، وصامتًا إلى حدٍ مخيف. لم يتكلم. لا بالكورية، ولا بالصينية، ولا بأي لغة عرفها البحارة. وقف فقط، يحدق بوانج بعينين فيهما شيءٌ من الحيوان الجريح، وشيءٌ آخر… شيء جعل وانج يشعر بانقباضٍ غريب، كأن حياته كلها كانت تنتظر وصول هذا الفتى دون أن يدري. ضحك البحارة منه أول الأمر. قال أحدهم إن البحر أنجب طفلًا هذه الليلة. وقال آخر إن العيون الزرقاء نذير شؤم. لكن وانج، الذي لم يرحم امرأة في قصره يومًا، شعر للمرة الأولى بشفقةٍ تشبه الوخز. وأشار إليه بيده. ومن دون كلمة، صار الفتى عاملًا في السفينة؛ ينظف الأرض الخشبية المبللة بالملح، يحمل الحبال، ويمر بين الرجال كطيفٍ لا صوت له. لكن الغريب أن السفينة منذ صعوده… لم تواجه عاصفة واحدة. البحر لا ينسى أبناءه. هذه الحقيقة لم يفهمها وانج إلا متأخرًا، بعد أن صار الليل أثقل من عمره، وبعد أن بدأت رائحة الملح تلتصق بروحه أكثر من جلده. كان يظن أن البحر مجرد طريقٍ للتجارة، مجرد فمٍ ضخم يبتلع السفن ويعيدها محمّلة بالحرير والذهب، لكنه لم يدرك أنه كان يراقبه طوال تلك السنوات… يراقب وحدته، خوفه، والسرّ الذي أخفاه حتى عن نفسه. الفتى ذو العينين الزرقاوين لم يكن طبيعيًا. كان يتحرك فوق السفينة بخفةٍ تُربك البحّارة. لا ينام إلا قليلًا، ولا يأكل إلا نادرًا، لكنه كان يقف لساعات طويلة عند حافة المركب، يحدق في الماء كما لو أن شخصًا ما يهمس له من الأعماق. وفي الليالي التي يهيج فيها البحر، كان الرجال يرونه يبتسم. ثم بدأت الأمور تحدث. حبال السفينة التي تتمزق وحدها تعود ملتفة كما لو أن يدًا خفية أصلحتها. البحّار الذي سقط في الماء أثناء العاصفة ظهر بعد ساعات نائمًا قرب المخزن بلا خدشٍ واحد. وفي إحدى الليالي، أقسم الطاهي العجوز أنه رأى ظلالًا نسائية تسير تحت الماء بمحاذاة السفينة، شعورهن الطويلة تتحرك كالأعشاب البحرية، وأعينهن تلمع في الظلام. أما وانج… فكان ينظر إلى الفتى كأنه ينظر إلى شبحٍ خرج من ذاكرته. لأن تلك العينين… تلك الزرقة تحديدًا… لم تكن جديدة عليه. قبل عشرين عامًا، حين كان شابًا في العشرين من عمره، ذهب إلى سييول للمرة الأولى. وهناك، وسط مدينةٍ كانت تبدو له متغطرسة وباردة، التقى امرأة عند ضفة نهر. امرأة بشعرٍ أسود طويل وعينين زرقاوين على نحوٍ غير منطقي، كأن البحر أخطأ وأودع لونه فيهما. أحبها بسرعة مخيفة. الحب أحيانًا لا يشبه القصائد، بل يشبه السقوط من مكانٍ مرتفع؛ يحدث دفعةً واحدة ولا يمنحك وقتًا للتفكير. تزوجها سرًا، بعيدًا عن عائلته، وعاش معها أشهرًا كانت الوحيدة في حياته التي شعر فيها أنه ليس تاجرًا ولا سيد أسطول… بل رجل عادي يخاف أن يخسر امرأة. لكنها اختفت حين اصطحبها إلى بوسان. اختفت كما تختفي الأحلام عند الصباح. لم يجد لها أثرًا. لا جثة، لا رسالة، لا شاهدًا واحدًا. ومنذ ذلك اليوم، صار الناس ينسجون حوله الحكايات. قالوا إنه يقتل النساء، إنه ملعون، وإن البحر أخذ عقله. لكن الحقيقة كانت أبسط وأشد قسوة. هو لم يقتل امرأة قط. كل امرأة دخلت قصره خرجت منه حية، ومعها مال يكفي لتبدأ حياة جديدة. كان يرسلهم بعيدًا لأن كل وجهٍ جديد كان محاولة يائسة لينسى زوجته الأولى… ومحاولة أفشل من التي قبلها. وحده البحر كان يعرف أنها لم تهجره بإرادتها. في تلك الليلة، حين كانت السفينة تقترب من بوسان، وقف الفتى أمام وانج للمرة الأولى وتكلم. قال بصوتٍ هادئ: “أمي لم تمت.” شعر وانج أن العالم توقف. حتى البحر بدا ساكنًا للحظة. ثم رفع الفتى عينيه إليه وأضاف: “هي عادت إلى الماء… لأنها كانت تموت على اليابسة.” الحوريات لا يعشن كالبشر. أجسادهن تتحمل اليابسة لبعض الوقت، لكنها تبدأ بالذبول ببطء، كما تذبل الأسماك خارج البحر. وكانت والدته تعرف أن بقاءها مع وانج يعني نهايتها. لكنها كانت تحبه بما يكفي لتجرب. وحين حملت، اختفت. لأن أبناء البحر لا يولدون كالبشر. الحورية تحمل طفلها عشر سنوات كاملة؛ عشر سنوات بين المد والجزر، بين الأعماق والكهوف السوداء التي لا تصلها الشمس. وهناك، في مكانٍ لا يعرفه البشر، وُلد الطفل. نصفه إنسان. ونصفه شيءٌ أقدم من الإنسان نفسه. كان يستطيع البقاء تحت الماء أيامًا كاملة، يسمع الهمسات القادمة من الأعماق، ويستدعي التيارات البحرية كما يستدعي البشر أسماء بعضهم. لكنه، رغم قوته، كان أضعف من والدته؛ لأن الدم البشري يخفف دائمًا من وحشية البحر. سأل وانج بصوتٍ مرتجف: “وأين هي الآن؟” ابتسم الفتى بحزن. وقال: “في المكان الذي تعود إليه كل الحوريات حين تتعب من حب البشر.” وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، بكى وانج. ليس لأنه خسرها. بل لأنه فهم أخيرًا أنها لم تهرب منه أبدًا. هي فقط… كانت تنتمي إلى عالمٍ لا يستطيع أن يعيش فيه. كانت تلك الليلة أشبه بجرحٍ مفتوح فوق بحر بوسان. الريح لم تكن تهب، بل كانت تعوي، كأن شيئًا قديمًا يستيقظ في الأعماق. السماء انطفأت تمامًا، حتى القمر بدا كعملةٍ سقطت في قاع الماء ولم يعد أحد قادرًا على انتشالها. والسفينة، بكل خشبها وحديدها ورجالها، بدت صغيرة إلى درجةٍ مهينة أمام هذا الظلام. أما وانج… فكان يشعر أن البحر هذه المرة لا يحيط بالسفينة فقط، بل يتسلل إلى صدره. وقف الفتى قرب الحافة، وعيناه الزرقاوان صارتا أغمق، كأن الليل دخل إليهما واستقر. كان ينظر إلى الموج بصمتٍ طويل، صمت لا يشبه صمت البشر، بل صمت الكائنات التي تعرف أسرارًا لا تستطيع اللغة حملها. اقترب وانج منه ببطء. صوته خرج مبحوحًا: “ما الاسم الذي اختارته لك… كيارا؟” ارتجفت ملامح الفتى قليلًا. ثم ابتسم تلك الابتسامة الحزينة التي تشبه والدته إلى حدٍ موجع، وقال: “أما زلت تذكر اسمها؟” ضحك وانج ضحكة قصيرة، متعبة، كأنها خرجت من رجلٍ عاش أكثر مما ينبغي. ثم مد يده المرتجفة إلى أزرار قميصه وفكها ببطء. كان صدره يحمل آثار العمر والبحر والندوب القديمة، لكن هناك، فوق القلب تمامًا، بقي الاسم. كيارا. حروف داكنة غرزها في جلده منذ عشرين عامًا، يوم كان يظن أن الحب شيء يمكن للوقت أن يهزمه. مرر أصابعه فوق الوشم وهمس: “طالما هذا القلب ينبض… فالروح التي تحمل هذا الاسم ما زالت هنا.” وحين قالها، انكسر صوته. بكى وانج أخيرًا كما يبكي الرجال الذين أمضوا حياتهم يختبئون من دموعهم؛ بصمتٍ مخيف، بصدرٍ يرتجف أكثر مما ترتجف اليدان. ولم يفعل الفتى شيئًا سوى أنه اقترب واحتضنه. احتضانٌ غريب، دافئ وبارد في آنٍ واحد، كأن البحر نفسه يحاول أن يواسيه. ثم همس قرب أذنه: “لا بأس… أبي.” تجمد وانج. تلك الكلمة وحدها كانت كافية لتعيد إليه عمرًا كاملًا؛ كل السنوات الفارغة، كل الموائد الطويلة بلا أطفال، كل النساء اللواتي رحلن، كل الليالي التي كان يسمع فيها البحر ويسأل نفسه إن كان قد عوقب أم نُسي. رفع وجهه ببطء، وعيناه غارقتان بالدموع: “ما اسمك؟” ابتسم الفتى. ولأول مرة، لم تبدُ ابتسامته غامضة أو مخيفة، بل بدت كابتسامة طفلٍ وجد طريقه أخيرًا إلى البيت. ثم قال هامسًا: “جناو.” هز وانج رأسه ببطء، كأن الاسم اخترق قلبه مباشرة. وأغمض عينيه. “لم تنسني إذًا… أبدًا يا محبوبتي.... كان يقصدها هي. كيارا. المرأة التي أحبته بما يكفي لتغادر ، وبما يكفي أيضًا… لتعود إليه بعد عشرين عامًا على هيئة ابن يحمل البحر في عينيه. النهاية .... بقلمي ....... ils ffpv f,shk jedv f,shk | |
الساعة الآن 09:39 PM
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||