كيف نحترس إذا كانت
الحرب باردة، إذا انعدمت الإيماءات وتاه الحدس وسط ابتسامات وأحاديث زائفة؟ أنت تدرك جيدًا في قرارة نفسك أنها كذب، لكنّك تمشي وكأنك تصدق كل شيء، لا لشيء إلا لحماية نفسك ما لم تكن لديك حيلة للنجاة. تمامًا كأنك لا تجد إلا حافة من سرير تنام عليها بعد إرهاق دام طويلاً، وكأن الراحة تتوارى خلف تعب لا ينتهي، فتشعر بأنك في حافة الخوف، بين اليقظة والنوم، بين الواقع والخيال، بين الصبر واليأس.
عندما يدركك التعب، فأنت قطعًا تحتاج للاستلقاء وربما للنوم طويلاً. تأوي فراشك الصغير جدًا على جسدك المثقل بالإرهاق والتعب، تتمنى لو كان أوسع قليلًا، كي تجد مجالًا لمد جسدك، كي تتقاسم معه ضجيج الحياة، لكن لا مجال لك سوى أن تنام عليه كأنك على حافة عالية، فتغمض عينيك برهة من الزمن، وتوقظك نسمة عابرة، مخافة أن يزج بك التعب غفلةً ما إن غفوت قليلاً، مخافة أن تنزل يدك المكتوفة جانبًا فتودي بك أسفل سريرك لفقد التوازن، هنا تجهل معنى النوم بعمق، وتدرك أن الراحة ليست مجرد نوم، بل صراع مع ذاتك ومع اللحظة، صراع مع شظايا الحياة التي تتكدس على صدرك.
في الجانب الآخر يمنعك كبرياؤك أولًا، ومعرفتك ثانيًا، من النزول لمستوى أقل لتجد المتسع الذي طالما أردته، ويظل عليك أن تبقى مسالمًا، هادئًا، يقظًا، مهما علمت الكثير، لأنك على يقين أنك في المكان الخطأ، وأن ما كنت لتعرفه لو لم يكن لك استعداد له. الصمت يزيد الأمر سوءًا، وحديثك لأحدهم قد يجعلك تدفع ثمن الصدق طويلاً، فيظل القلب مثقلاً، والعقل متعبًا، والروح تبحث عن انفراج لن تجده إلا في الصبر والتأمل.
إذا كانت الحياة تقاس بالسعادة، فاكتبوا على قبري: مات قبل أن يولد. كم لهذه الحكمة وما تحمله من معنى سكن لما يثور في مشاعري، ويلهب قلبي العاثر إذا ما مر ذكر من تنكر للوداد الذي شاطرناهم شهده ونسجنا حبهم في سويداء القلب العامر، حيث تعانق الروح العواطف، وتداعب الذكرى الفكر الصادق.
لكن لابد أن يعكر صفو الوداد غيمة يسوقها هواء العناد، ويتحرش به حديث لا يخلو من زيف قيل وقال من واشٍ متربص لبتر الوصال، ليبقى محفورًا في القلب وفي الذاكرة كل ما سال حبره ونطق حرفه. ولا يجلي ذلك غير همة من شمخ عفوه ليبدد ذاك الغمام.
لقد تعلمت من الحياة أن لو أن الإنسان أفرد سمعه لكل قيل وقال، لكل ناقد فتان وواش خوان، لكل تثبيط حاسد محتال، لكان القبر خير غائب ننتظره، ولما عرف قيمة نعمة العقل الذي به ميزنا الله عن الخلق، فالتجاهل والتغاضي هو طوق النجاة وعزاء المواساة. لا تربط سعادتك بأحد، فقلما يشاركك أحد فرحك، وما تقلب الأيام إلا عبرة لذوي الأفهام، وكل يوم هو في شأنه الخاص.
عش حياتك بما يتخللها من تفاصيل الحياة الآنية، ولا تخرج عن نطاقها وحيزها بغير أمل يولدها، وبذلك تملكين سعادة الحياة، واجعلي شظاياها من نثار واقعها، فبذلك مزجت الحياة، وبذلك يقوم الابتلاء والبلاء. فالذات لا تخلو من رغبات وأمنيات قد تتأخر بوارق تحققها، لكنها تجثم على صدر الحياة لنظل نصارع اللحظات منتظرين تحققها.
ويبقى اختيار الله هو الأساس الذي يقدره لنا، لأنه يصب في مصلحتنا ولو توارى المعنى عن البال واللباب، فالرضا بالقضاء، والتسليم لله، هما السبيل الحقيقي لراحة النفس وطمأنينة القلب.