لم يَستطعِ المكُوثَ أكثر ، فنظر إلى الدرب الذي عن يمينه المؤدي إلى مغنى الصبا ، وملتقى أنداده ، وأترابه ، ثم نقل ناظره إلى الدرب الذي عن شماله المؤدي إلى المسجد ، ومنازل أنداده الآخرين ، أطال التأمل ، ثم قال : هل يُلامُ الكَهْلُ في كَثْرَةِ عَوْجِهِ على مغاني صباه ، ليُجَدِّدَ أكسجين روحه ، ويَجْمَعَ أَشْتَاتَ قَلْبِهِ ، ويَزُوْرَ ضَريْحَ أُنْسِهِ وسُرُوْرِهِ ؟!
مضى إلى مغنى الصبا ، وجال بين الأثل المتناثر فيه ، ثم مضى إلى الأرجوحة ملتقى أترابه ، وموطن مرحهم ، ووقف أمامها ، ونظر إلى السلسلتين الحديديتين التي شُدَّتْ بهما ، وأسبل دموع ناظريه ، حنينًا إلى ما مضى ، ثم اتجه إلى الأثلة العتيقة المتأصلة في قلبه ، وجثا أمامها ، وأسبل ناظره ، وقال :
ونلهو كما كنا صباحًا وفي الدجى
ونشدو لأيام البراءةِ أوبي
ثم رفع رأسه إليها ، ونظر إلى أغصانها التي كان يتسلقها مع أترابه فيما مضى ، ويكسروا بعض أغصانها الرقيقة ، ليحركوا به الشاي ، وقال : هنا ابتدأت رحلتي ، وهنا انتهتْ وما بينهما إلا أعوامٌ قليلةٌ تخللها الأنس والسرور ، والشجى والسقم ، والحنين والنأي !
أيتها الأثلة ، يا معلم الصبا ، وملتقى الأتراب : إني أرقب الأحبة يظعنون ، فأحاول العدو إليهم والمضي معهم ، فتتسمر قدماي في الأرض لا أستطيع براحًا ، وسيأتي اليوم الذي تنطلقُ فيه قدماي دون قيدٍ ، وأمضي إلى حيث مضى الأحباب
كنتُ أخشى وها قد أتى اليوم الذي أخشاه، والذي أصبحتُ فيه أرنو من خلف سحب الكهولة إلى عهد الشباب الغضير ، والصبا الغض ، وأسفح دموع الشجى والحنين إليهما !
الله أكبر كبيرًا والحمدلله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"
"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"
هل يُلامُ الكَهْلُ في كَثْرَةِ عَوْجِهِ على مغاني صباه
ومن يستطيع ان يلوم العائد الى ذكرياته
او انه هو من يتحكم بها
او انه هو من يبحث عنها
في الزوايا وخلف عنكبوت الزمن
هي في الغالب من تتحكم فيه
وتبحث عنه عندما تريد
وتبقى الذكريات قصصاً صامتة
تترك بقلوبنا أثراً لا يزول
تقول يتبع .......
ونقول نحن باقون على مقاعد الانتظار