الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
أيها المؤمنون، وممن يستحقون غضب الله وسخطه، الكفار، وهؤلاء الكفار إما من كانوا كفارًا في الأصل، وماتوا على كفرهم، أو من كانوا من أهل الإسلام، ثم ارتدوا عن دينهم وإسلامهم، وتحولوا إلى ملة أخرى غير ملة الإسلام، وشرحوا بالكفر صدورهم لذلك الدين الجديد الذي اعتنقوه؛ لأنه عنده خير من الإسلام، ثم استمروا على ردتهم حتى ماتوا؛ فهذا الصنف من المرتدين عن دين الله تعالى يستحقون غضب الله وسخطه، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النحل: 106].
أيها المؤمنون، وممن يستحق غضب الله وسخطه، قاتل النفس المحرمة بغير حق، ونحن في عصر انتشرت فيه ظاهرة القتل في كثير من بلاد المسلمين، وهذه الجريمة ربما يقدم عليها بعض الناس لأتفه الأسباب، وعند أدنى خلاف، وهذه الجريمة لا يقدم على ارتكابها إلا من ضعف إيمانه، ونزع الخوف من قلبه، ولو علم القاتل أنه بارتكابه لجريمة القتل قد تعرض لغضب الله وسخطه؛ لما أقدم على ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء، وقد جمع الله لقاتل النفس المحرمة خمس عقوبات لم يجمعها لأحد من أصحاب كبائر الذنوب؛ فهو من أهل النار المخلدين فيها، وأعدَّ الله له فيها عذابًا عظيمًا، بالإضافة إلى حلول غضب الله عليه ولعنته، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93].
أيها المؤمنون، ومما يجدر الإشارة إليه في هذا المقام، إن من أسباب انتشار ظاهرة القتل في كثير من بلدان المسلمين، المماطلة في إقامة شرع الله في القصاص من القاتل، فبعض القضاة من الذين لا يخافون الله تعالى يجعلون من دماء القتلى وسيلة للارتزاق والكسب المادي، ويأخذون أموالًا ورشا من قبل أولياء القاتل من أجل إطالة مراحل التحكيم؛ بغية إيصال أولياء دم المقتول إلى مرحلة اليأس من القصاص، فيرضوا بعد ذلك بالدية أو التنازل عن دم المقتول، ولو أن هذا النوع من القضاة خافوا الله لعجلوا بمراحل التقاضي؛ حتى ينال القاتل جزاءه العادل في القصاص، فيكفر الله عنه جريمته، ويقيه غضبه، ويكون عبرة لغيره ممن يتساهلون في الدماء المحرمة، وعندها يأمن الناس على دمائهم وأنفسهم، وصدق الله القائل: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179].
فعظموا الدماء، واعلموا أن التعرض لها من أسباب تعرض العبد لغضب الله وسخطه.
أيها المؤمنون، وممن يستحق غضب الله وسخطه؛ أصحاب الأيمان الكاذبة الفاجرة، التي يقتطعون بها أموال الناس وحقوقهم، وقد تساهل بهذه الأيمان كثير ممن لا خلاق لهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقد روى ابن ماجه في سننه، بسند صحيح عن عبدالله بن عمر بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان»، وغضب الله على صاحب اليمين الكاذبة يوجب له النار، ولو أخذ بيمينه شيئًا يسيرًا من حق غيره بغير وجه حق، روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ».
أيها المؤمنون، وممن يستحق غضب الله وسخطه الذي يتكلم فيما يسخط الله ويغضبه، فكم من كلمة يطلقها الإنسان لا يلقي لها بالًا توجب له غضب الله وسخطه، ومن هذه الكلمات الغيبة والنميمة، أو الكلام الذي يقصد به صاحبه التحريش بين الناس، وإفساد ذات بينهم، وغير ذلك من الكلام الذي يهدم بنيان العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم، روى الإمام الترمذي في سننه، بسند قال عنه: حسن صحيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه»، فاحفظوا ألسنتكم، ولا تتكلموا إلا بخير.
أيها المؤمنون، احذروا غضب الله وسخطه، وتجنبوا كل الأسباب المؤدية إلى ذلك؛ تكونوا من السعداء في الدنيا والآخرة.
أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يجنبنا الله وإياكم مساخطه وغضبه، إنه أرحم الراحمين.
عباد الله، وصلُّوا وسلِّموا- رعاكم الله- على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ].
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهمَّ أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين، اللهمَّ بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللهمَّ آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهمَّ إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللهمَّ اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.