حلم الأحنف التميمي
قيل عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة،
وفيه قال الشاعر:
إذا الأبصارُ أبصرتِ ابنَ قيسٍ
ظللنَ مهابةً منهُ خشوعا
قال سليمان التيمي قال الأحنف
«ثلاث في ما أذكرهن إلا لمعتبر ما أتيت باب سلطان إلا أن أدعى،
ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما،
وما أذكر أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير».
وقال:
«ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور:
إن كان فوقي عرفت له قدره،
وإن كان دوني رفعت قدري عنه،
وإن كان مثلي تفضلت عليه»،
وقال:
«لست بحليم ولكني أتحالم».
وقيل إن رجلا خاصم الأحنف وقال:
لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا، فقال:
«لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة».
وقيل إن رجلا قال للأحنف:
بِمَ سُدْتَ؟ وأراد أن يعيبه، قال الأحنف
«بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك».
وروي عن ذي الرمة قال:
شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم، فتكلم فيه وقال:
احتكموا، قالوا نحتكم ديتين قال:
ذاك لكم فلما سكتوا قال:
«أنا أعطيكم ما سألتم. فاسمعوا إن الله قضى بدية واحدة وإن النبي
قضى بدية واحدة وإن العرب تعاطى بينها دية واحدة
وأنتم اليوم تطالبون وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين
فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم»،
قالوا: ردها إلى دية.
زياد بن عمرو العتكي والأحنف بن قيس
لما أتى زياد بن عمرو المربد، بعد مقتل مسعود بن عمرو العتكي،
جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس
وكان زياد بن عمرو العتكي في القلب، فبلغ ذلك الأحنف، فقال:
هذا غلام حدثٌ، شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه!
فندب أصحابه، فجاءه حارثة بن بدرٍ الغداني،
وقد اجتمعت بنو تميم، فلما طلع قال:
قوموا إلى سيدكم، ثم أجلسه فناظره،
فجعلوا بنو سعد وبنو الرباب في القلب
ورئيسهم عبس بن طلق الطعان، المعروف بأخي كهمس،
وهو أحد بني صريم بن يربوع،
فجعلة في القلب بحذاء الأزد، وجعل حارثة بن بدر في بنو حنظلة
بحذاء بكر بن وائل، وجعلت عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس،
فقال حارثة بن بدر للأحنف:
سيكفيك عبس ابن كهمس
مقارعة الأزد بالمربد
وتكفيك عمرو على رسلها
لكيز بن أفصى وما عددوا
وتكفيك بكراً إذا أقبلت
بضرب يشيب له الأمرد
فلما تواقف القوم بعث إليهم الأحنف وقال:
يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة
أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة، وأنتم جيراننا في الدار،
ويدنا على العدو، وأنتم بدأتمونا بالأمس، ووطئتم حريمنا،
وحرّقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشر ما أصبنا في الخير مسلكاً،
فتيمّموا بنا طريقة قاصدة .
فوجه إليه زياد بن عمرو: تخيّر خَلّة من ثلاث:
إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا،
وإن شئت فخلِّ لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم،
وإلا فَدُوا قتلانا، واهدروا دماءكم، وليُودَ مسعودٌ دية المعشرة - و
قوله دية المشعرة، يريد أمر الملوك في الجاهلية
وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت الملك وُدِيَ عشر ديات -
فبعث إليه الأحنف:
سنختار، فانصرفوا في يومكم، فهزّ القوم راياتهم وانصرفوا،
فلما كان الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالاً ليس فيها خيارٌ،
أما النزول على حكمكم فكيف يكون والكَلْمُ يقطر دماً؟
وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله عز وجل:
«ولو كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم».
ولكن الثالثة إنما هي حملٌ على المال، فنحن نبطل دماءنا،
ونَدِي قتلاكم، وإنما مسعودٌ رجل من المسلمين، وقد أذهب الله أمر الجاهلية .
فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود، ويُغمد السيف
، ويؤدى سائر القتلى من الأزد وربيعة.
فتضمّن ذلك الأحنف، ودُفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة عندهم
حتى يؤدَّى هذا المال، فرضي به القوم،
ففخر بذلك الفرزدق فقال:
ومنا الذي أعطى يديه رهينةً
لغارَيْ معد يوم ضرب الجماجم
عشية سال المربدان كلاهما
عجاجة موتٍ بالسيوف الصوارم
هنالك لو تبغي كليباً وجدتها
أذل من القردان تحت المناسم
قال الأحنف بن قيس:
فكثُرت علي الديات، فلم أجدها في حاضرة تميم،
فخرجت نحو يبرين، فسألت عن المقصود هناك،
فأُرشدْتُ إلى قبةٍ، فإذا شيخٌ جالسٌ بفنائها، مؤْترز بشملةٍ،
محْتب بحبل، فسلمت عليه، وانتسبت له فقال:
ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقلت: توفي صلوات الله عليه!
قال: فما فعل عمر بن الخطاب الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟
قلت له: مات رحمه الله تعالى!
قال: فأي خيرٍ في حاضرتكم بعدهما!
قال فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة، قال فقال لي:
أقم، فإذا راعٍ قد أراح عليه ألف بعير فخذها .
ثم أراح عليه آخر مثلها، فقال:
خذها، فقال الأحنف: لا أحتاج إليها، فقال: فانصرفت بالألف عنه،
ووالله ما أدري من هو إلى الساعة!
يتبـــع ...>