الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمه الظاهرة والباطنة، وشرع لنا من الدين ما فيه صلاح القلوب والأبدان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالصلاة وأعلى شأنها، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، المبعوث بالهدى ودين الحق، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله؛ فالتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين، وهي سبيل النجاة والفوز والفلاح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الزمر: 61].
أيها الأحِبَّة في الله: إن من أعظم نِعم الله علينا أن هدانا لدين الإسلام؛ دينِ الطُّهر والعدل والرحمة، ومن أجَلِّ فرائضه وأعظمها شرفًا: الصلاة، وما أدراك ما الصلاة؟!
تلك العبادة الجليلة التي كانت آخر وصايا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وهو على فراش الموت، يقول: ((الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم))؛ [رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني].
فهي عمود الدين، وأساس الإيمان، لا قِوام للإسلام بدونها، ومن ضيَّعها فهو والله لما سواها أضيع؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذَروة سَنامه الجهاد))؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
وقد فُرضت الصلاة في ليلة المعراج، من فوق سبع سماوات، بلا واسطة بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على عِظَم شأنها عند الله جل وعلا، فهي الصلة بين العبد وربه، وهي أول ما يحاسَب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، عباد الله: إن في الصلاة من المعاني العظيمة ما يحيي القلوب، وينير البصائر، فيها خضوع وخشوع، وذكر ودعاء، وقراءة ومناجاة، يقف فيها العبد بين يدي ربه ذليلًا متواضعًا، يناجيه بكلمات ربانية تُنزل السكينة على قلبه، وتغسل عنه هموم الدنيا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وجُعلت قرة عيني في الصلاة))؛ [رواه النسائي وأحمد، وصححه الألباني].
وقال أيضًا: ((يا بلال، أرِحنا بالصلاة))؛ [رواه أبو داود وصححه الألباني].
فمن أراد راحة القلب وطمأنينة الروح، فليُقبل على صلاته، وليجعلها قرة عينه، فإنها جنة في الدنيا، وسعادة في الآخرة.
ومن علامات حب العبد لربه أن يحافظ على الصلوات في أوقاتها، مع الجماعة، بخشوع وحضور قلب، لا على عجَل ولا رياء، بل حبًّا وشكرًا لله، ليكون مع من قال الله فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2].
فيا مَن شغلتك الدنيا، تذكَّر أن الصلاةَ هي الفاصل بينك وبين الغفلة، وهي الزاد الذي يُعينك على مشاقِّ الحياة، فهي تطهِّر لك قلبك، وتنهاك عن الفحشاء والمنكر؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لِما بينهن، إذا اجتُنبت الكبائر))؛ [رواه مسلم].
فاحمدوا الله يا عباد الله، أن هداكم إلى الصلاة، واسألوه أن يرزقكم فيها الخشوع وحسن الأداء؛ فإنها طريق الجنة، وسبب رضا الرحمن عنكم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.