مجتمع غلاك

مجتمع غلاك (https://www.g-lk.com/vb/index.php)
-   القصص والروايات والمسرح (https://www.g-lk.com/vb/forumdisplay.php?f=107)
-   -   مهلبية (https://www.g-lk.com/vb/showthread.php?t=32525)

ناريسا 07-27-2026 12:46 PM

مهلبية
 


هناك أمهات يعلّمن أبناءهن الصلاة، وأمهات يعلّمنهم أسماء الأشجار، أما أمي فقد علّمتنا، من غير أن تقصد، أن العالم قد يقوم كله على عادة صغيرة لا يعرف أحد سببها.
كل صباح، باستثناء يوم الجمعة، كانت تقف عند نافذة المطبخ المطلة على الشارع. تأخذ ثلاث حصوات من طبق أرجواني يستقر على الحافة، ثم تلقيها واحدة بعد الأخرى.
أحيانًا كانت ترتطم بالإسفلت فتطلق صوتًا جافًا، وأحيانًا كانت تثير شرارة صغيرة، خاطفة، كأن الحجر اصطدم بذكرى لا بالأرض. لم أكن أفهم الفرق، ولم تكن هي تبدو معنية به. كانت تنتهي من الحصاة الثالثة، تغلق النافذة، وتبدأ إعداد الإفطار، كأن شيئًا لم يحدث.
أما يوم الجمعة، فكان مخصصًا لطقس آخر.
تخرج إلى الحديقة، تختار الأحجار بعناية غريبة، تغسلها طويلًا، تفركها بطرف مئزرها، ثم تضعها في الطبق الأرجواني. كانت تؤدي ذلك بصبر يشبه صبر الناس وهم يعتنون بصورة قديمة لا يريدون لها أن تتلف.
عندما كنت طفلًا، كانت الحديقة مليئة بالحجارة. ومع مرور السنوات بدأت تقل. كنت أعتقد أن الأرض تكبر، ثم أدركت لاحقًا أن أمي كانت تستعير منها ثلاثة صباحات كل يوم.
في مساء السبت كانت تعد لنا المهلبية، وتزين كل طبق بثلاث حبات من الفستق. كنت أراقب أصابعها وهي ترتبها في هدوء، وأشعر أن الرقم ثلاثة يتكرر في بيتنا أكثر مما ينبغي، لكنه كان يتكرر بالطريقة نفسها التي تتكرر بها دقات القلب؛ لا نسأل عنها لأنها لو توقفت فقط، سننتبه إليها.
كنا سبعة أولاد.
وأب لا وجود له.
كنت في المنتصف، لا أكبر بما يكفي لأفهم، ولا أصغر بما يكفي لأنجو من الأسئلة. كنت مثل بهلوان يقف فوق حبل مشدود، يرى الجهتين ولا ينتمي إلى أي منهما.
في إحدى ليالي المهلبية، رفع أخي الأكبر رأسه بعد أول ملعقة وسأل:
لماذا ترمين الحجارة كل صباح يا أمي؟
ابتسمت، كما لو أن السؤال تأخر سنوات.
وقالت:
حتى تكون المهلبية لذيذة.
ضحك أخي الصغير، وعدنا إلى الأكل.
لكنني أظن اليوم أن أحدًا منا لم يصدقها. كل ما في الأمر أننا قبلنا الإجابة لأن الأطفال لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن نهاية للسؤال.
ولهذا، لم نسأل يومًا أين أبي.
ولا لماذا غاب.
كان البيت منظمًا بطريقة تجعل الغياب يبدو قطعة أثاث لا يلتفت إليها أحد بعد مدة.
ثم جاء ذلك السبت.
عدنا إلى البيت، ولم نجد المهلبية على الطاولة.
قد يبدو الأمر تافهًا لشخص من الخارج، لكنه بالنسبة إلينا كان أشبه بأن تستيقظ ذات صباح فتجد الشمس قد نسيت أن تشرق.
كانت أمي تفرض قانونًا بسيطًا: في ليلة المهلبية، يجب أن نجتمع جميعًا. لا أعذار. الجميع يعني الجميع.
اجتمعنا.
ولم تأتِ المهلبية.
نمنا مبكرًا، من دون حديث.
وفي الصباح، انتظرنا صوت الحصاة الأولى.
لم يأتِ.
كان الصمت في المطبخ كثيفًا إلى درجة أنني سمعت غليان الماء في الإبريق كما لو أنه يحدث داخل رأسي.
على الطاولة كان الطبق الأرجواني فارغًا، إلا من حجر متسخ وورقة مطوية.
وأمي لم تكن في البيت.
لم يقترب أحد من الطبق.
كان يشبه شيئًا مقدسًا، أو ربما شيئًا نخاف أن نفهمه.
بعد دقائق، سمعنا وقع حذائها.
دخلت المطبخ ببطء.
كانت مختلفة بطريقة لا يمكن وصفها بسهولة.
منذ طفولتنا، لم أرها إلا مرتبة، كأنها تنتظر ضيفًا مهمًا كل صباح. شعرها مرفوع بعناية، وجهها يلمع ببعض المساحيق الخفيفة، وثوبها بلا تجعد واحد.
أما ذلك اليوم، فقد كان شعرها منسدلًا على كتفيها، ووجهها عاريًا تمامًا، كأنه خرج لتوه من عمر آخر.
خلعت حذاءها عند باب الحديقة.
كانت تلك أول مرة أرى فيها قدمي أمي.
لا أعرف لماذا بقي هذا المشهد في ذاكرتي أكثر من أي شيء آخر. ربما لأن الإنسان حين يسقط عنه آخر طقوسه، يصبح حقيقيًا بصورة مؤلمة.
ابتسمت وقالت:
سنغير عاداتنا. الثلاثاء سيكون يوم اجتماعنا. سنخرج معًا... ونأكل المثلجات.
همس أخي الأصغر:
ولن تكون هناك مهلبية؟
ابتسمت مرة أخرى.
ولا حجارة.
ثم رفعت الطبق الأرجواني، ووضعته فوق أعلى رف في المطبخ، كما هو، بالحجر والورقة.
بعد ذلك، تغيرت أمي.
لكنها لم تتغير نحو الحزن كما توقعت.
ضحكت كثيرًا.
صارت تمازحنا.
تجلس معنا ساعات طويلة.
كنت أكتشف كل يوم أن المرأة التي ربتنا كانت تخفي شخصية أخرى، أخف، وأكثر دفئًا، كأنها كانت تؤجل نفسها منذ زمن بعيد.
بعد أشهر، اتصلت بنا وقالت إنها ليست بخير .
اجتمعنا جميعًا حول سريرها.
خرجت لأجلب لها كوب ماء.
وعندما دخلت المطبخ، رأيت الطبق الأرجواني فوق الرف.
كان في المكان نفسه.
كأن الزمن لم يجرؤ على لمسه.
لا أعرف لماذا مددت يدي إليه.
ربما لأن الإنسان، عندما يشعر أن النهاية تقترب، يصبح أقل وفاءً للعهود التي قطعها في طفولته.
فتحت الورقة.
لم تكن رسالة.
كانت صورة قديمة.
أبي.
وإلى جواره فتاة صغيرة ذات عينين زرقاوين، يحملها بين ذراعيه كما كان يحملنا نحن في الصور التي لم نعد نملكها.
وبجانب الصورة، كان الحجر المتسخ.
في تلك اللحظة فقط، فهمت أن الحجارة لم تكن تُلقى على الشارع.
كانت تُلقى على الأيام.
كل حصاة كانت محاولة صغيرة لتنجو أمي من صباح آخر.
طوال تلك السنوات، كانت تؤجل انكسارها ثلاث مرات كل يوم، ثم تعود إلينا مبتسمة، وتصنع المهلبية، وترتب ثلاث حبات من الفستق فوق كل طبق، كأن الحياة ما زالت تعرف طريقها إلى بيتنا.
أعدت الصورة إلى مكانها.
وأخذت كوب الماء.
حين ناولته لها، نظرت إلى أصابعي.
عرفت.
لا أدري كيف، لكن الأمهات يعرفن الأشياء التي لا يراها أحد.
امتلأت عيناها بالدموع.
كانت تلك المرة الأولى التي أراها تبكي.
وربما الأخيرة.
ابتسمت بصعوبة، وقالت:
كنت أكره المهلبية... ارتحت أخيرًا من إعدادها.
ضحكت، للمرة الأولى دون أن أشعر بالذنب.
وقلت:
وأنا أيضًا... كنت أكرهها يا أمي.
ابتسمت.
وكانت تلك الابتسامة، على نحو غريب، تشبه تمامًا صوت ثلاث حصوات ترتطم بالأرض في صباح بعيد، ثم يبتلعها الشارع، كأنه يعرف منذ البداية أن بعض الطقوس ليست إلا أسماء مستعارة للحزن.
بقلمي ...
وليدة اللحظة 12:45


الساعة الآن 01:36 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
adv helm by : llssll
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
بسرقتك لأفكارنا وجهد اعضاءنا أنت تثبت لنا بأننا الأفضل ..~

This Forum used Arshfny Mod by islam servant