مجتمع غلاك

مجتمع غلاك (https://www.g-lk.com/vb/index.php)
-   القسم الإسلامي (https://www.g-lk.com/vb/forumdisplay.php?f=6)
-   -   {وبشر المخبتين} (https://www.g-lk.com/vb/showthread.php?t=32476)

الهُذلي 07-22-2026 02:29 PM

{وبشر المخبتين}
 









﴿ وَبَشِّرِ المُخبِتينَ ﴾







من أجلِّ المقامات التي يتنافس فيها الصالحون، ويسعى إليها السائرون إلى الله: مقام الإخبات، الذي قال الله فيه: ﴿ وَبَشِّرِ المُخبِتينَ ﴾ [الحج: 34].

فأيُّ منزلةٍ هذه التي ابتدأها الله بالبشارة؟!

إنها منزلة القلوب المنكسرة له، الخاضعة لعظمته، المطمئنة بذكره.

ثم لم يتركنا ربُّنا نتوه في تعريفها، بل كشف لنا عن سمات أهلها، وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، فقال سبحانه: ﴿ وَبَشِّرِ المُخبِتينَ * الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلوبُهُم وَالصّابِرينَ عَلى ما أَصابَهُم وَالمُقيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ ﴾ [الحج: 34-35].

فبدت معالمُ طريقٍ واضحٍ إلى الله، عنوانه: الإخبات؛ وهو خضوع القلب، وانكساره لربِّه، وامتلاؤه هيبةً ومحبةً وتعظيمًا. ولأجل عِظَم هذه الصفة، افتتح الله لأهلها باب البشارة، وكأنها شهادة ربانية بأن من تحقَّق بها فقد سلك طريق القبول.

ثم كشف سبحانه هُوية هؤلاء المخبتين بأربع صفات، جمعت أعمال القلوب والجوارح، وكأنها بناء متكامل لا يقوم إلا بها:

أولها: وجل القلب عند ذكر الله.

فهي حياة القلب وحساسيته، فإذا ذُكر الله تحرَّك بالإجلال والخشية، لا غفلة ولا قسوة.

فقلوبهم حية مستقيظة متدبرة تستجيب لنداء الله، وتأنس بذكره، ومن كان كذلك فمن باب أولى أنه ممن يذكر الله، وقريب ممن يُذكره بالله ولصيق بمواطن الذكر والتذكير، وقد قال النبي ﷺ: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع»؛ (رواه الترمذي وصححه الألباني).

وقال ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله… ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»؛ (متفق عليه).

فهذا الوجل ليس ضعفًا، بل دليل حياةٍ ويقظة، يُثمر إقبالًا على الذكر، وأُنْسًا بالطاعة، وقُرْبًا من مواطن التذكير.

وثانيها: الصبر على المصيبة

وهو ثمرة اليقين؛ إذ يعلم العبد أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. فلا يجزع، بل يحتسب، ويرى البلاء رفعةً واصطفاءً، وأن جزاء صبره على ابتلائه خير مما كان في يديه من النعيم، وما ذاك إلا لعلو مرتبته في درجات اليقين، قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير… إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»؛ (رواه مسلم).

وقال ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب… حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه»؛ (متفق عليه).

فالصابر يرى ما وراء الألم، فيثبت قلبه، ويعلو مقامه.

وثالثها: إقامة الصلاة

وأما مقيم الصلاة فقد أقام أولى العبادات وأسماها وأشرفها عند ربنا سبحانه، فإقامتها ليس هو الأداء المحض، بل هي المحافظة والخشوع والمواظبة وكونها أولوية في حياة العبد منذ صباحه وحتى يمسي، وليست مجرد أداءٍ شكلي، بل إقامةٌ تُحيي القلب وتضبط الحياة؛ محافظةً وخشوعًا وتعظيمًا.

قال النبي ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا»؛ (متفق عليه).

وقال ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»؛ (رواه مسلم).

فالصلاة عمود هذا البناء، وبها يتجدَّد الإيمان، وتُصقل الروح.

ورابعها: الإنفاق مما رزق الله

وأما الخلة الرابعة وهو أنهم ينفقون من رزق الله، وهذا برهان الإيمان، ونور الحياة، ونجاة العبد؛ إذ بالإنفاق يتحرَّر العبد من ربقة الدنيا وقيودها ومخاوفها إلى سعة الآخرة، ووعد الله للمنفق الصادق، فيحيا العبد في سعة العطاء وابتغاء ما عند الله.

قال النبي ﷺ: «ما نقص مال من صدقة»؛ (رواه مسلم).

وقال ﷺ: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت… أو تصدقت فأمضيت»؛ (رواه مسلم).

فالمنفق رابحٌ في الحقيقة، وإن ظنَّ الناس غير ذلك.

وهكذا تتكامل هذه الصفات الأربع: قلبٌ يخشع، ونفسٌ تصبر، وجوارحُ تُقيم الصلاة، ويدٌ تُنفق في سبيل الله. فمن اجتمعت فيه، فهو على طريق الإخبات، وحقيقٌ بأن يُبشَّر.

هذا دأب المخبتين وسيرتهم في حياتهم، فبُشْرى لهم.

اللهم اجعلنا من المخبتين الذين إذا ذُكرت خافوا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا وقفوا بين يديك خشعوا، وإذا أُعطوا أنفقوا، وبشِّرنا بما بشَّرتهم به، إنك أنت الكريم.


الساعة الآن 08:01 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
adv helm by : llssll
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
بسرقتك لأفكارنا وجهد اعضاءنا أنت تثبت لنا بأننا الأفضل ..~

This Forum used Arshfny Mod by islam servant