![]() |
الفضفضة بين الحاجة والوهم
الحياة ليست سوى سلسلة من الدروس، ومواكب من المواقف، ومستودع من العبر، نتعلم منها كل يوم، بل في كل لحظة نعيشها. وإذا اتفقنا على هذه الحقيقة، فلن يكون مستغربا أن ينبع الحديث عما تعلمناه من معترك الحياة نفسها، لا مما خطته الكتب أو ازدحمت به المواقع، وإن اختلفت الآراء، فاختلاف الأذواق وتباين الرؤى سنة بشرية، وضرورة تكتمل بها الصورة.
ما يحاول هذا المقال أن يبوح به، أن الإنسان حين يداهمه الانكسار، ويقف على حافة الوهن، وتخذله قواه، قد يأتيه صديق أو قريب أو زميل، يضع يده على كتفه، ويعرض عليه فضفضة بريئة في ظاهرها، مريبة في باطنها. وهنا مكمن الحذر، ففي لحظات الضعف ينكشف الداخل، وتنسكب الأسرار، وتلقى الصغيرة والكبيرة بين يدي من لا نعرف منه إلا مظهره. وحينها يبرز السؤال الجوهري: ماذا سنجني من هذه الفضفضة؟ هل ستزول المشكلة؟ هل سينزل الحل بغتة من السماء؟ هل الأحزان تهاجر لمجرد أننا نطقنا بها؟ التجربة تقول: غالبا لا شيء يتغير. النتيجة أننا نكون قد وضعنا قلقنا، ونقاط ضعفنا، ولحظات انكسارنا، أمام إنسان قد يكون مشفقا، أو شامتًا، أو مجرد فضولي أشبع جوعه المعرفي. والأسوأ من ذلك، أن يكون ممن يطلقون الأحكام جزافا، فيدينون في الخفاء، ويجاملون في العلن. ومع ذلك، فليس المقصود أن نحترق بصمت، أو نكتم ما يعذبنا حتى ننهار. إنما الحكمة في الاختيار. فإن كان الغرض من المشاركة هو التنفيس فقط، فما المانع أن يكون المستمع غريبا لا يعرفنا، ولا يعرف عنا شيئا؟ إنسان يستمع بحياد، دون أحكام، ودون تاريخ مشترك. من هنا نفهم لماذا يدفع الناس المال للطبيب النفسي؛ لأنه غريب، ولأنه ملتزم بالكتمان، ولأنه يسمع حتى النهاية. نحن في العمق لا نبحث عن حلول بقدر ما نبحث عمن يصغي. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن الإنسان كائن اجتماعي، لا يستغني عن بني جنسه، خاصة حين تعصف الخيارات بفكره، وتتشابك الطرق أمامه. عندها يكون اللجوء إلى الاستشارة ضرورة، لا ضعفا. فليس كل رأي يؤخذ، ولا كل مستشار يؤتمن. إنما الحكمة في اختيار من تشرب التجربة، وامتلك الرأي الثاقب، وكان صادقا في قصده. القرب والبعد في هذا السياق أمر نسبي؛ فقد يكون الأقرب نسبا أبعد فهما، وقد يكون الغريب أقرب وعيا. لذا لا بد من التمييز بين من نأنس به، ومن ننتفع برأيه. كما أن كثيرا من التخبط سببه أننا لا نثقف أنفسنا، ولا نسعى لاكتساب المعرفة، فنهرع للسؤال عند أول مأزق، بعد أن تتوه بنا السبل. ومن الأخطاء الشائعة أن يطلب الإنسان الرأي، وهو في قرارة نفسه قد حسم أمره. فإن وافق المستشار هواه، اطمأن، وإن خالفه، خاصمه. وهنا تصبح الاستشارة شكلا بلا مضمون. فالأصل في طلب الرأي أن نتجرد مؤقتا من قناعاتنا، ونفتح المجال لوجهات النظر الأخرى، ثم نمحص ونوازن، ونختار ما هو أسدد وأقوم. وعلى مستوى الأسرة، يبقى الحوار ضرورة لبناء التماسك، شريطة أن يكون حديث روح لا مجرد صراع عقول، وأن يشعر كل فرد بقيمته، صغيرا كان أو كبيرا. فإهمال رأي أحدهم دون تطييب خاطر، يزرع في النفس كسرا صامتا. وللأسف، تغيب هذه المساحات الحوارية عن كثير من البيوت، ولو حضرت لتبددت خلافات وتعانقت أرواح. ومع كل ما سبق، تبقى الحقيقة الثابتة، والبداية والنهاية، أن الإنسان لن يجد من يسمع فضفضته ويرحمه حقا إلا خالقه، الله عز وجل. فإليه ترفع الشكوى، وعليه يتوكل القلب، وبه تطمئن النفس. ومع ذلك، لا يمنع هذا من أن نلجأ إلى من نثق بعقله ودينه وخبرته، لا لمجرد التنفيس، بل طلبا للحل. فما خاب من استخار، وما ندم من استشار، متى أحسن الاختيار، وصدق القصد. |
رد: الفضفضة بين الحاجة والوهم
الله يعطيك العافية
موضوع رائع جداً شكرا لك |
رد: الفضفضة بين الحاجة والوهم
للاسف الانسان في لحظة ضعفه يشبه بيتًا انطفأت انواره
فيحسب كل طارقٍ بمثابة رحمة وكل مستمع شخص يؤتمن على اسراره غير ان التجربة كما قلت تعلّمنا ان ليس كل أذن مأوى ولا كل كتفٍ سند مع جلوسي مع بعض المعارف رأيت من يبتسم لصاحب الوجع نهارا ثم يجعل من وجعه مادةً للسمر ليلًا وهذه حقيقة موجودة في كل مكان للأسف غير انك حينما تعطي وجعك وسرّك لأحد فكأنك اعطيته خنجرًا بيده يطعنك بها في اي وقت موضوع رائع جدًا ومميز يستحق القراءة مرارًا وتكرارًا سلمت ويعطيك العافية يارب ~ |
| الساعة الآن 09:36 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
adv helm by : llssll
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
بسرقتك لأفكارنا وجهد اعضاءنا أنت تثبت لنا بأننا الأفضل ..~