![]() |
ما بين الحِيرة والفِطرة
ليستِ الحياةُ رقماً يُحصى، ولا ظلاً يُمسك. إنها سفينةٌ في محيطٍ بلا ضفافٍ، تُقلُّنا بين أمواجِ الأسئلةِ: "لماذا؟" و"إلى أين؟".. ونحنُ نجدُ أنفسَنا غرباءَ في هذه الرحلةِ، نحملُ قلوباً تئنُّ بأنينٍ قديمٍ: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟". غريبةٌ هيَ الحضارةُ! بَنينا سُحُباً منَ الفولاذِ، ونسجنا شِباكَ الضوءِ التي تُمسكُ العالمَ في راحةِ اليدِ.. لكننا نُطارَدُ بظلٍّ فارغٍ: كلما امتلكنا السرابَ، ازددنا عطشاً. كلما احتكرنا المعرفةَ، ازددنا حيرةً. كأنما التقدمُ يجرُّنا إلى الوراءِ، نحوَ ذلكَ الصوتِ الخافتِ في أعماقِ الروحِ: "مَنْ خلَقَكَ؟ ولماذا تَشقى؟". الفلسفةُ بينَ يديّ الفطرةِ : الفيلسوفُ يحفرُ في الأرضِ بحثاً عن السماءِ، والعقلُ يبني سرداباً من الشكِّ ليختبئَ من المطرِ. لكنَّ القلبَ ينزفُ يقيناً لا يُبرهنُ عليه: أنَّ للكونِ نغمةً خفيةً.. أنَّ للوجودِ معنى لا يُختَزَلُ إلى صدفةٍ.. أنَّ هذهِ الرغبةَ الجامحةَ في الكمالِ والحبِّ والخلودِ — ليستْ سراباً، بل بصمةُ الصانعِ على المخلوقِ. الرجوعُ: لا هروباً بل اكتشافاً : ليسَ الرجوعُ إلى اللهِ انهزاماً، بل هوَ استعادةٌ للذاكرةِ: ذاكرةُ الروحِ التي تعرفُ طريقَ العودةِ قبلَ أن تَضِلَّ. إنه ليسَ خطوةً إلى الوراءِ، بل قفزةٌ إلى الأعماقِ — أعماقِ نفسِكَ التي تختزنُ سرَّ "الاستواءِ" كما قالَ اللهُ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين: ٤]. الحياةُ بينَ العبثِ والمعنى : إنْ قطعتَ صلتَكَ بالمطلقِ، أصبحت الحياةُ مسرحيةً بلا مشاهدِ أخيرةٍ، تُشاهدها من وراء زجاجٍ سميكٍ، لا تذوقُ فيها لا الألمَ ولا الفرحَ. أما إذا استسلمتَ لنداءِ الفطرةِ: فالألمُ يصيرُ نقاشاً مع الحبيبِ، والموتُ يصيرُ باباً، والعبادةُ ليست طقوساً — بل حوارَ عاشقٍ مع معشوقٍ. الخاتمةُ: العودةُ من الغربةِ : نحنُ غرباءُ في دنيا المادةِ.. كُلَّما اقتربنا منَ المرايا، ابتعدنا عن حقيقتِنا. والعودةُ إلى اللهِ هيَ استدعاءٌ لتلكَ الذاتِ الأولى التي لم تُلوِّثها الأوهامُ. فلا تنتظرْ.. فالغريبُ الذي يعودُ إلى وطنهِ — يسمعُ الأرضَ تُناديه باسمهِ الذي نسيَه. --- { هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } [إبراهيم: ٥٢] |
رد: ما بين الحِيرة والفِطرة
صحيح ماذكرت والرجوع إلى الله ليس هروبًا بل صحوة متأخرة
تذكّر فيها الروح اسمها الأول بعد طول نسيان جزاك الله خيرًا على طرحك القيّم والنافع ودمت بخير ~ |
رد: ما بين الحِيرة والفِطرة
جزاك الله خير الجزاء
وبارك الله فيك وفي طرحك ؟ |
رد: ما بين الحِيرة والفِطرة
اللهم اهدنا الصراط المستقيم
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد ان هديتنا بارك الله بك اطروحاتك قيمه جدا دمت الى الله اقرب مهاجر |
رد: ما بين الحِيرة والفِطرة
طرح قيم ومفيد..
أسأله سبحانه أن يكتب أجرك.. أضعافا مضاعفه.. و يثقل ميزانك.. و يضئ لك القلب و الّدرب.. بنور اإلايمان و طاعته سبحانه.. جزاك الله خير.. |
| الساعة الآن 04:48 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
adv helm by : llssll
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
بسرقتك لأفكارنا وجهد اعضاءنا أنت تثبت لنا بأننا الأفضل ..~