![]() |
قرار صباحي
استيقظ هذا الصباح كما لو أنّ التاريخ قرّر أن يمرّ من خلال جسده لا من خلال الكتب. انحرف اليوم قليلًا عن مساره، لا بما يكفي ليُعلن ثورة، لكن بما يكفي ليزرع شكًا صغيرًا في ترتيب الأشياء. فتح عينيه، ولم يكن الضوء ما أربكه —ذلك الضوء البارد والمحايد كعين مراقب لا يعنيه ما يرى— بل كانت الفكرة؛ فكرةٌ لها نبرة المرسوم، ووقع المطرقة على خشب المنصة. قالها واقفًا في ثياب نومه، بثباتٍ يُحسد عليه من لم يغادر فراشه بعد، وبصوتٍ مسموع كمن يختبر صلاحية الكلمة في الهواء: "سأصبح وزيرًا". لم يكن البيت مستعدًا لوزارةٍ عند السابعة صباحًا. الستائر نصف مرفوعة كأنها لم تحسم موقفها بعد من الصباح، وفناجين الأمس لا تزال تكدّس بقايا مساءٍ غارب. وفي الخارج، بدأت الهمسات تتسلل كالحقيقة حين تخشى أن تُقال بصوتٍ عالٍ. وجوه الجارات أو القريبات —الفرق بينهما يذوب حين تتكاثر الظنون— كانت تبحث عن "تزكية" أو "سيرة ذاتية" تبرر هذا الطموح المفاجئ. تساءلن بنبرةٍ ترتدي معطف الواقعية الثقيل: "ألا يجب أن يكون عضوًا في مجلسٍ ما؟". لكن عينًا أخرى برقت بتحدٍّ سائل: "ولِمَ لا؟ الممكن يولد من الجرأة لا من الأوراق". هو لم يجب. لم يكن بحاجة إلى ذلك. أخرج سيجارةً وأشعلها ببطءٍ محسوب، كما يُشعل قرارًا مصيريًا، وتركنا معلّقين بين التصفيق والريبة، ثم اتجه بخطىً واثقة نحو المطبخ. وهنا، فقط هنا، انكشف جوهر السلطة. ليست الوزارة ما يستدعيه، إنها القهوة. وقف أمام الدلّة بتركيزٍ لا يتوفر عادةً إلا في إدارة الأزمات الكبرى. لحقتُ به، وقلت بنبرةٍ نصفها إصلاحٌ سياسي ونصفها غيرة منزلية: "عليك أن تبدأ بتغيير عاداتك.. الوزير لا يدخل المطبخ". توقف لحظة، نظر إليّ بعينين فيهما مكر الطفل وحكمة الرجل الذي يعرف حدوده، ثم تراجع خطوتين، لا كمن ينسحب، بل كمن يمنح خصمه وهم التقدّم. سبقتُه إلى الدلّة، ممارسةً سلطةً مصغّرة، وزارةً للبنّ المطحون. هز رأسه بيقينٍ هادئ وقال: "ستفسدينها.. ستنزعين حلاوة المزاج بقهوتك". ثم أضاف، وكأنه يوقّع استقالته قبل أن يتسلّم المنصب، أو ربما يُعلن تمسكه بالسيادة الحقيقية: "أتنازل عن الوزارة.. لكن القهوة لا". ضحكنا؛ لأننا أدركنا فجأة أن الدولة يمكن أن تُدار بالتفويض، القرارات تُوقّع والمهام تُوزّع، أما المزاج —هذا الشيء الصغير غير القابل للقياس— فلا يُفوَّض أبدًا. السلطة ليست ما نعلنه في الميادين، بل ما نحرسه في التفاصيل التي لا يشاركنا فيها أحد. تركته يحرّك الملعقة ببطءٍ دقيق، كأنه يعيد ترتيب البلاد في فنجان، وأدركتُ أن أعظم القرارات المصيرية قد تبدأ بثياب نوم، وتنتهي برغوةٍ خفيفة تطفو على سطح الصباح |
رد: قرار صباحي
كلام يؤكل بالفؤاد ويشرب شعر إلا أنه نثر ما أجمله لقد أدهشتني فصاحته ثم روتني بلاغته ياله من نص كأنه يتدلل على القارئ بحسنه .
وربي أنت كاتبة مبدعة ياناريسا جعلت شاعرية النثر تنافس شاعرية الشعر: جودي علينا بهذا الفنِّ ناريسا لاتبخلي واملئي منهُ القراطيسا إني أكلتُ بقلبي النصَّ من شغفٍ ثم شربتُ عليهِ الخندريسا |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
|
رد: قرار صباحي
ما شاء الله عليكِ ناريسا
ما هذا النص العميق! اخفى بين السطور رسائل عمييقه وووجدنا انفسنا معكِ داخل النص بتفاصيله واحداثه رائعه انتِ بانتظار كل جديد يفيض به قلمك العذب كل الحب♡والورد🌹 و تقييمي والختم والنقاط |
رد: قرار صباحي
نصّك جميل وعميق أخت ناريسآ مشحون بذلك الوميض الذي يجعل التفاصيل اليومية تبد وكأنها حدثٌ سياسيّ صغير أو كأن البيت نفسه يتحوّل إلى مسرح تُدار فيه دولة مصغّرة. دمتِ ودآم أبدآعك ،, |
رد: قرار صباحي
الله عليك ناريسا
هنا وعي هادئ بأن السلطه ليست في العناوين الكبيره بل في تلك التفاصيل البسيطه حيث يتشكل المزاج كقدر شخصي لا يقبل التفويض لغه رشيقه ومتماسكه تتحرك بين الجديه واللمحه الساخره دون أن تفقد توازنها وتخلق صورا دقيقه تقنع القارئ دون أن تثقل عليه الفهم ربما تميل الخاتمه إلى قدر من التصريح لكن ذلك لا ينتقص من جمال الفكره نص يثبت أن لديك فكرا يعرف كيف يلمح بذكاء ويقول الكثير دون ضجيج لك ولحرفك قلائد التوليب يامبدعه |
رد: قرار صباحي
،.
وصف بصياغة بارعه وفصاحة ما شاء الله قكر واعي وحرف مُترَف بالجمال والتميّز سلمتِ ناريسا :835::835::835: |
رد: قرار صباحي
أحسنت الاختيار ناريسا
نجد لذه وعذوبه بين طيات كلماتك كتبتي أحسنتي فابدعتي .. لا أجد وصف لما كتبتيه فقط انت مبدعه بمعنى الكلمه شكرا لك وننتظر جديدك :53: |
رد: قرار صباحي
الانيقة جدا ناريسا كلمة شكرا لن توفيك حقك
شكرا لهكذا حرف باذخ |
رد: قرار صباحي
نص جميل وعميق الفكر
اشكرك يالغلا |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
أهلاً بكِ وبمروركِ الذي يشبه الورد. يسعدني جداً أن تفاصيل النص لامست قلبكِ وجعلتكِ جزءاً منه، فهذا هو أجمل طموح للكاتب. شكراً على كلماتكِ العذبة، وعلى الختم والتقييم الذي أعتز بهما. كل الحب والتقدير لكِ |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
|
رد: قرار صباحي
اقتباس:
الأناقة تكتمل بحضوركِ وبذائقتكِ الرفيعة التي استشعرت المعنى خلف الحرف. حضوركِ هو الشكر الحقيقي الذي أعتز به. ممتنة جداً لكلماتكِ الراقية |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
أهلاً بك وبقراءتك الناقدة والواعية. لقد أدهشتني بلمحك لفكرة 'الدولة المصغرة' داخل جدران البيت؛ فنحن بالفعل نخوض في تفاصيلنا اليومية معارك لا تقل ضراوة عن السياسة، وربما البيت هو المسرح الأصدق لاختبار انفعالاتنا. شكراً لهذا الوميض الذي أضفته بمرورك |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
أهلاً بهذا العبور الذي لا يكتفي بالقراءة، بل يفكك النص ويعيد بناءه. التفاتتك لكون السلطة تكمن في التفاصيل اليومية هي جوهر ما أردتُ قوله؛ فنحن محكومون بمزاجنا الشخصي أكثر من العناوين الكبرى. شكراً لرأيك في اللغة والاتزان، وشكراً أكبر لملاحظتك حول التصريح في الخاتمة، ففي النقد الصادق ينمو النص من جديد. كل التقدير لقلائد التوليب ولهذا الوعي الراقي |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
سلمت من كل سوء. الأناقة الحقيقية تبدأ من عين القارئ التي التقطت هذا الجمال. يسعدني جداً أن الفكر والحرف نالا استحسان ذائقتك الرفيعة. شكراً لهذا المرور الذي منح نصي بريقاً إضافياً. |
رد: قرار صباحي
اقتباس:
أهلاً بكِ وبحضوركِ العذب. اللذة الحقيقية هي في وصول الكلمات إلى قلبكِ واستشعاركِ لطيّاتها. كلماتكِ وسام رقيق أفتخر به، وشكراً لأنكِ كنتِ هنا لتمنحي النص هذا الدفء. |
| الساعة الآن 10:34 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يستخدم منتجات Weblanca.com
adv helm by : llssll
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd.
بسرقتك لأفكارنا وجهد اعضاءنا أنت تثبت لنا بأننا الأفضل ..~