ناريسا
06-06-2026, 10:32 PM
الغريبُ يا أنتَ، أنني أحببتك على نحوٍ بدا لي يومًا في غاية المعقول،
كما تحبّ الأرضُ شمسَها؛ لا لأنها وعدتها بشيء،
بل لأنها اعتادت أن تجد في حضورها تفسيرًا للنهار.
كنتُ أظنّ أن القلوب، حين تمنح نفسها بصدق،
تنال على الأقل حقّ الطمأنينة.
لذلك رفعتُ اسمك فوق مدن روحي، وجعلتُ لك في أيامي منزلةً لا ينازعك عليها أحد،
كأنك الحقيقة الأخيرة في زمنٍ يتقن التنكّر لكل شيء.
غير أنّك كنتَ تنظر إلى هذا الحبّ بعين المسافر لا بعين المقيم.
تمرّ به كما يمرّ المرءُ بحديقةٍ جميلة في طريقٍ طويل؛ يلتفت إليها لحظةً،
يعجبه عطرها، ثم يواصل السير دون أن يفكّر حتى في اسمها.
وما أبعد المسافة بين قلبٍ يجعل من إنسانٍ وطنًا، وقلبٍ لا يرى فيه أكثر من محطةٍ عابرة.
كنتَ تجلس في هدوئك الواثق، توزّع الكلمات كما يوزّع النبلاء المجاملات في صالونات المساء؛
عباراتٌ أنيقة، ووعودٌ مصقولة،
وأعذارٌ ترتدي من الحرير ما يكفي لإخفاء هشاشتها.
أما أنا، فكنتُ أعود من كل لقاءٍ وفي يدي كأسٌ واحدة؛
كأس الانتظار الطويل، تلك التي يختلط في قاعها طعم الرجاء بملوحة الخيبة.
جرحني كلامك كما تجرح الريحُ نافذةً تُركت مفتوحةً في وجه الشتاء.
وأوجعني فعلك كأرضٍ اكتشفت متأخرةً أن السنابل التي أنبتتها لم تكن تعني شيئًا للعابرين.
ثم جاء اتهامك.
جاء باردًا كليلةٍ بلا نجوم، واستقرّ في صدري كغريبٍ لا ينوي الرحيل.
كان مؤلمًا أن يُتّهم الوفاء بالخيانة،
وأن يُساء فهم القلب الذي لم يعرف لك إلا الإخلاص.
لكن ما آلمني حقًّا لم يكن الاتهام نفسه، بل سهولةُ الهدم.
فما بنيته لك من مواسم العمر لم تحتج إلى عاصفةٍ كي يسقط،
ولم تحتج إلى حربٍ أو فراقٍ عظيم.
يكفي أنك ألقيت كلماتك في الهواء، كما يلقي الخريف أوراقه اليابسة،
ثم مضيت.
وتركتني وحدي أمام خرائب الحديقة.
أحصي الأغصان المكسورة كما تُحصى أعمارُ المنفيين،
وأجمع من تراب القلب بقايا وطنٍ صغيرٍ كنتُ أظنّ،
بكل براءة العاشقين، أنك ستسكنه إلى الأبد.
وها أنا اليوم أفهم ما لم أفهمه من قبل....
أن بعض الناس لا يرحلون من أوطانهم، بل الأوطان هي التي ترحل منهم.
كما تحبّ الأرضُ شمسَها؛ لا لأنها وعدتها بشيء،
بل لأنها اعتادت أن تجد في حضورها تفسيرًا للنهار.
كنتُ أظنّ أن القلوب، حين تمنح نفسها بصدق،
تنال على الأقل حقّ الطمأنينة.
لذلك رفعتُ اسمك فوق مدن روحي، وجعلتُ لك في أيامي منزلةً لا ينازعك عليها أحد،
كأنك الحقيقة الأخيرة في زمنٍ يتقن التنكّر لكل شيء.
غير أنّك كنتَ تنظر إلى هذا الحبّ بعين المسافر لا بعين المقيم.
تمرّ به كما يمرّ المرءُ بحديقةٍ جميلة في طريقٍ طويل؛ يلتفت إليها لحظةً،
يعجبه عطرها، ثم يواصل السير دون أن يفكّر حتى في اسمها.
وما أبعد المسافة بين قلبٍ يجعل من إنسانٍ وطنًا، وقلبٍ لا يرى فيه أكثر من محطةٍ عابرة.
كنتَ تجلس في هدوئك الواثق، توزّع الكلمات كما يوزّع النبلاء المجاملات في صالونات المساء؛
عباراتٌ أنيقة، ووعودٌ مصقولة،
وأعذارٌ ترتدي من الحرير ما يكفي لإخفاء هشاشتها.
أما أنا، فكنتُ أعود من كل لقاءٍ وفي يدي كأسٌ واحدة؛
كأس الانتظار الطويل، تلك التي يختلط في قاعها طعم الرجاء بملوحة الخيبة.
جرحني كلامك كما تجرح الريحُ نافذةً تُركت مفتوحةً في وجه الشتاء.
وأوجعني فعلك كأرضٍ اكتشفت متأخرةً أن السنابل التي أنبتتها لم تكن تعني شيئًا للعابرين.
ثم جاء اتهامك.
جاء باردًا كليلةٍ بلا نجوم، واستقرّ في صدري كغريبٍ لا ينوي الرحيل.
كان مؤلمًا أن يُتّهم الوفاء بالخيانة،
وأن يُساء فهم القلب الذي لم يعرف لك إلا الإخلاص.
لكن ما آلمني حقًّا لم يكن الاتهام نفسه، بل سهولةُ الهدم.
فما بنيته لك من مواسم العمر لم تحتج إلى عاصفةٍ كي يسقط،
ولم تحتج إلى حربٍ أو فراقٍ عظيم.
يكفي أنك ألقيت كلماتك في الهواء، كما يلقي الخريف أوراقه اليابسة،
ثم مضيت.
وتركتني وحدي أمام خرائب الحديقة.
أحصي الأغصان المكسورة كما تُحصى أعمارُ المنفيين،
وأجمع من تراب القلب بقايا وطنٍ صغيرٍ كنتُ أظنّ،
بكل براءة العاشقين، أنك ستسكنه إلى الأبد.
وها أنا اليوم أفهم ما لم أفهمه من قبل....
أن بعض الناس لا يرحلون من أوطانهم، بل الأوطان هي التي ترحل منهم.