المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زهرة صدأ


ناريسا
04-26-2026, 10:25 PM
أحمل الشمس على كتفي، لا حقيبة، لا طعام، فقط أثر أقدامٍ تائهة،
ومزاجٌ رملي يتسلل إلى نعلي القديم.
قبل أن أخرج، كان الصباح واقفًا على عتبة البيت، مترددًا كزائرٍ لا يعرف إن كان مرحّبًا به.
كان الطفل هناك.
لم يقل شيئًا. فقط أمسك إصبعي… شدّ عليه قليلًا، كأن يدي حبل نجاةٍ لا يرى طرفه.
عيناه لم تكونا تبكيان، بل تسألان—ذلك السؤال الذي لا يخصّ طفلًا واحدًا، بل الخلق كله:
أين يذهب من نحب حين يختفون؟
"أريده يا خالي…"
قالها، ثم سكت، كأن الكلمة أثقل من أن تُقال مرتين.
أخته و أمه كانت خلفه، تحاول أن تبدو واقفة.
لكن الوقوف، أحيانًا، شكل آخر من السقوط.
خرجت.

كنا نسير، من الشمال إلى الجنوب، لا لأننا نحب الجنوب، بل لأن فيه خوذات…
خوذات كثيرة، فارغة من رؤوسها، كأنها قواقع تُركت على شاطئ الحرب.
الطريق لم يكن طريقًا، بل بقايا قرارات.
رجل بلا ذراع مرّ بجانبي، كأن جسده تعلّم أن يُكمل نفسه بالنقص.
قال لي، دون أن ينظر:
"هناك من لم يدفنهم أحد… الأرض ضاقت بهم، أو لعلها خافت."
لم أسأله كيف يعرف.
بعض المعارف تُشم، لا تُقال.

رأيت خوذة أولى.
لم ألمسها.
كانت نظيفة أكثر مما ينبغي، كأن أحدهم تركها بعناية، لا في حرب.
رأيت ثانية… ثالثة…
ثم توقفت عن العد.
كل خوذة كانت تقول:
هنا كان رأس.
هنا كان فكر، خوف، أم، اسم يُنادى…
ثم لم يعد.

مرّ كلب.
كان يحفر في الأرض بإصرار لا يليق بحيوان.
توقفت.
راقبته.
أخرج قطعة قماش… شدّها بأسنانه… ثم تركها.
لم تكن طعامًا.
كانت ذكرى.

أنا لم آتِ لأجمع الموت.
أنا جئت لشيء أصغر بكثير…
خوذة، فقط خوذة، يمكن أن تحملها يد طفل دون أن ترتجف.
لكن الطريق لا يعطيك ما تريد.
يعطيك ما بقي.

وجدته.
لم يكن اكتشافًا، بل تعثّرًا.
قدمي اصطدمت بشيءٍ لم يُرد أن يُرى.
نظرت.
ثم ندمت أنني نظرت.
جسد… أو ما تبقى منه.
دون قدم.
والذراع… لا، لم تكن هناك ذراع، بل مكانها فقط، كأن أحدهم رسمها بقلم رصاص ثم مسحها بعجلةٍ مستعجلة.
جلست.
لا لأنني أردت، بل لأن الوقوف صار فجأةً فكرةً غير ممكنة.
أنا كنت أريد خوذة… لا هذا.
نظرت حولي، كأن أحدًا قد يعترض، كأن هذا الجسد ملك لشخصٍ سيعود بعد قليل ليأخذه.
لكن لا أحد عاد.
حتى الصمت… كان مشغولًا بشيءٍ آخر.

مددت يدي… ثم سحبتها.
كيف يُحمل هذا؟
كيف يُختصر في شيءٍ يمكن أن يُعطى لطفل؟
تخيّلت وجهه…
كيف سيضع هذا في ذاكرته؟
كيف سينام؟
لا…
ليس هذا ما وعدت به.

حفرت.
بيدي، ببطء، كأنني أعتذر مع كل حفنة تراب.
لم أعرف إن كان هو…
إن كان “أباه”…
أم رجلًا آخر ينتظر طفلًا آخر في مكانٍ ما.
وضعت عليه التراب.
ثم خشبة.
ثم كلمة.
اسمه.
أو الاسم الذي ظننت أنه له.
الأسماء، هنا، لا تُدقّق كثيرًا.

في طريق العودة، لم أنظر خلفي.
ليس لأنني قوي…
بل لأنني لو فعلت، ربما بقيت.

عدت.
البيت كان كما تركته…
إلا أن شيئًا فيه صار أخفّ، كأن غيابًا جديدًا انضمّ إلى الأثاث.
الطفل…
كان عند الباب.
عيناه معلّقتان بالمقبض، كأنهما تنتظران أن يُفتح على شيءٍ أكبر من باب.
نظر إليّ.
ثم إلى يدي.
كانت فارغة.
لم يسأل.
وهذا… كان أسوأ.

دخل.
استلقى.
غفا بسرعة، كمن يهرب من فكرة قبل أن تكتمل.
جلست عند قدميه.
أنظر إلى وجهه، وأفكر:
كيف يكبر إنسانٌ على لا شيء؟
كيف تُربّى ذاكرة على فراغ؟
قلت في نفسي، لا له:
ستعيش يا صغيري…
لكن ليس مع ذكرى، بل مع ظلّ.
والظل، كما تعرف، لا يُمسك… لكنه لا يتركك أيضًا.

في الأيام التالية…
بدأ يسأل.
ليس مباشرة.
كان يلمّح، كما يفعل الكبار حين يخافون الحقيقة:
“هل كان طويلًا؟”
“هل كان يضحك؟”
كنت أجيب.
أخترع.
أضيف تفاصيل لم أرها، وأحذف ما رأيت.
شيئًا فشيئًا…
صارت الخوذة التي لم أجدها، أكبر من أي خوذة.
صارت قصة.
ثم وجهًا.
ثم أبًا كاملًا، لا ينقصه شيء… إلا أنه غير موجود.

وأنا…
أمشي الآن، لا أدري إلى الشمال أم الجنوب.
أحمل شيئًا أثقل من الشمس.
ليس خوذة…
بل كذبة، تنبت فيها زهرة.
زهرة صغيرة، عنيدة، خرجت من صدأٍ قديم،
تبحث… لا عن جمجمة لتزهر،
بل عن قلبٍ يصدّقها.

حصريا وبقلمي
26.4.2026
22:24

نقاء الورد
04-26-2026, 10:41 PM
الله عليكِ يا ناريسا♡
ما هذا الإبداع!
في كل كلمة منك كنت ارى غزه وفلسطين
واطفالها ونظراتهم وتساؤلاتهم ويتمهم وفقدهم
واشلائهم وخوذاتهم الفارغه
حسك مرهف
فكرك اكثر من راقي
اسلوبك رهييب
اخذتيني معك والله في النص
لكل طفل يسأل
لكل ام تقف عاجزه عن الاجابه
لكل أب يخرج ولا يعود
نص مؤلم
وعنوانه اختير باتقان ليس بعده اتقان
[زهرة صدأ]
كل م استطيع قوله
اننا كسبنا كاتبه مبدعه راقيه بمشاعر شفافه
سعيدين بكِ بقلمك، بفكرك
لروحك السعاده
ولكِ كل الحب:211: والورد🌹
ختم وتقييم ونقاط:87:

رسم
04-26-2026, 11:25 PM
،.

هُنا ،، زهرة نبتت من فقد وجراح
كانت تبحث عن أمل ،، لتهمس به لروح توّاقة للقاء من تحب
ومن فارقوها ذات نهار
مُشمس ربمّا انتهى بليلٍ دامس
من أنين

ثم صمت أطبق على المكان ..!


مؤلمه هذه الأحداث
وأشدّها حين تمتدّ أيدينا في سراب
لا نستطيع أن نوقف فيها عجلة الزّمن ،، ولا أن نغيّر الأقدار
مؤلم هو العجز في تلك المواقف ..


أزال الله كل حزن وجبر قلب من فقد ..

هُنا انسكب إحساسك العميق
بوصف في مُنتهى البلاغة والألم
ناريسا
أبدعتِ يا غاليه
:835::835::835:

ناريسا
04-27-2026, 09:20 AM
الله عليكِ يا ناريسا♡
ما هذا الإبداع!
في كل كلمة منك كنت ارى غزه وفلسطين
واطفالها ونظراتهم وتساؤلاتهم ويتمهم وفقدهم
واشلائهم وخوذاتهم الفارغه
حسك مرهف
فكرك اكثر من راقي
اسلوبك رهييب
اخذتيني معك والله في النص
لكل طفل يسأل
لكل ام تقف عاجزه عن الاجابه
لكل أب يخرج ولا يعود
نص مؤلم
وعنوانه اختير باتقان ليس بعده اتقان
[زهرة صدأ]
كل م استطيع قوله
اننا كسبنا كاتبه مبدعه راقيه بمشاعر شفافه
سعيدين بكِ بقلمك، بفكرك
لروحك السعاده
ولكِ كل الحب:211: والورد🌹
ختم وتقييم ونقاط:87:

كلماتكِ ليست مجرد ثناء، بل هي وسام أضعه على قلبي. أن تصلكِ معانيّ وتلامس فيكِ جرح غزة وفلسطين، فهذا أكبر تقدير كنتُ أتمناه؛ فما قيمة الحروف إن لم تكن صوتاً لمن لا صوت لهم، ومرآة لوجع الأطفال وفقد الآباء.
​[زهرة صدأ] نمت من مرارة الواقع، لكن كلماتكِ كانت لها كالندى. شكراً لرقيكِ، وشكراً لأنكِ قرأتِ ما خلف السطور بقلبكِ قبل عينيكِ. كل الحب والورد لروحكِ الطيبة.

ناريسا
04-27-2026, 09:23 AM
،.

هُنا ،، زهرة نبتت من فقد وجراح
كانت تبحث عن أمل ،، لتهمس به لروح توّاقة للقاء من تحب
ومن فارقوها ذات نهار
مُشمس ربمّا انتهى بليلٍ دامس
من أنين

ثم صمت أطبق على المكان ..!


مؤلمه هذه الأحداث
وأشدّها حين تمتدّ أيدينا في سراب
لا نستطيع أن نوقف فيها عجلة الزّمن ،، ولا أن نغيّر الأقدار
مؤلم هو العجز في تلك المواقف ..


أزال الله كل حزن وجبر قلب من فقد ..

هُنا انسكب إحساسك العميق
بوصف في مُنتهى البلاغة والألم
ناريسا
أبدعتِ يا غاليه
:835::835::835:

كلماتكِ لمست فيّ وتراً حساساً، وكأنكِ كنتِ تقرأين ما بين السطور من أنين وصمت. صدقتِ، فالعجز هو أثقل ما يحمله الإنسان حين تمتد يده فلا تجد إلا الفراغ، وحين يسكن الليل في قلوب أطبقت عليها الذكريات.
​آمين لصدق دعواتكِ، وجبر الله قلوبنا جميعاً. شكراً لأنكِ كنتِ هنا، بقلبكِ قبل قلمكِ، وشكراً لهذا المرور الذي منح 'زهرة الصدأ' بعضاً من عبق الحياة. كل الود لكِ.

مسترٍيَحٍ آلُبآلُ
04-27-2026, 10:46 AM
يجب فورا منع هالمبدعه لون فخم يليق بها احساس وكلمات وخاطرة
باذخه وفخمه لكل ما تعنيه الكلمه بدعتي شكرا لك ونبي اكثر حنا طماعين نارسوو :211:

ناريسا
04-27-2026, 01:54 PM
يجب فورا منع هالمبدعه لون فخم يليق بها احساس وكلمات وخاطرة
باذخه وفخمه لكل ما تعنيه الكلمه بدعتي شكرا لك ونبي اكثر حنا طماعين نارسوو :211:

أستاذي .....
أخجلتني بكرم ردك،ولطيف كلمك،ما همست به ماهو الا انعكاس لجمال بصيرتك التي ترى خلف الكلمات أرواحاً ومشاعر، وتقديرك هذا وسام أعتز به.
​أما عن 'الطمع' في المزيد، فهو دافع لي لأبذل كل صدقي كي أظل عند حسن ظن القلوب الراقية أمثالك. شكراً لأنك هنا، وشكراً لهذا التقدير الذي منحته لنصوصي. دمت بكل هذا الرقي

ود البابلي
04-28-2026, 12:43 AM
ناريسا




نصّك ليس حكاية تُقرأ، بل وجع يُعاش بين السطور.
أبدعت في تصوير الفقد حين يصبح أكبر من أن يُحكى، وأصغر من أن يُحتمل.
ذلك الطفل لم يكن وحده من يسأل… بل نحن جميعًا.
والخوذة التي لم تُحمل، حملت بدلًا عنها ذاكرةً مثقلة بالغياب.
أوجعتنا بصدقك، وأكرمتنا بإنسانيتك في آنٍ واحد.
لغة عميقة وصور تنبض بالحياة رغم كل هذا الموت.
"زهرة صدأ" عنوان يليق بهذا الجمال الحزين.
دمت مبدعًة تزرع المعنى في أكثر الأماكن قسوة.
كل الشكر لك على هذا النص الآسر....


ابنة كوريا ليس بغريب عليك سرقة الأعين في قراءة الكحل


تحياتي


ود البابلي

ناريسا
04-28-2026, 05:25 AM
ناريسا




نصّك ليس حكاية تُقرأ، بل وجع يُعاش بين السطور.
أبدعت في تصوير الفقد حين يصبح أكبر من أن يُحكى، وأصغر من أن يُحتمل.
ذلك الطفل لم يكن وحده من يسأل… بل نحن جميعًا.
والخوذة التي لم تُحمل، حملت بدلًا عنها ذاكرةً مثقلة بالغياب.
أوجعتنا بصدقك، وأكرمتنا بإنسانيتك في آنٍ واحد.
لغة عميقة وصور تنبض بالحياة رغم كل هذا الموت.
"زهرة صدأ" عنوان يليق بهذا الجمال الحزين.
دمت مبدعًة تزرع المعنى في أكثر الأماكن قسوة.
كل الشكر لك على هذا النص الآسر....


ابنة كوريا ليس بغريب عليك سرقة الأعين في قراءة الكحل


تحياتي


ود البابلي


كلماتك لم تكن مجرد تعقيب، بل كانت مرآة عكست بوضوح تلك الندوب التي حاولتُ إخفاءها بين السطور. أن تصلك تفاصيل الخوذة ،وغصة الطفل بهذا العمق، فهذا يعني أنك لم تقرأ النص بعينك، بل بقلبٍ يدرك مرارة الفقد.
أما حديثك عن 'سرقة الأعين في قراءة الكحل'، فقد أربك بلاغتي؛ فما الجمال الذي ننشده في الحرف إلا محاولة لتجميل قبح هذا الوجع؟
ممتنة جداً لهذه القراءة التي منحت 'زهرة الصدأ' حياةً جديدة في وعيك.

عبير الجوري
04-29-2026, 08:58 AM
مشالله رووعه
ابداع يفوق الوصف
شكرا لك