ناريسا
04-21-2026, 05:35 AM
استيقظ هذا الصباح كما لو أنّ التاريخ قرّر أن يمرّ من خلال جسده لا من خلال الكتب. انحرف اليوم قليلًا عن مساره، لا بما يكفي ليُعلن ثورة، لكن بما يكفي ليزرع شكًا صغيرًا في ترتيب الأشياء. فتح عينيه، ولم يكن الضوء ما أربكه —ذلك الضوء البارد والمحايد كعين مراقب لا يعنيه ما يرى— بل كانت الفكرة؛ فكرةٌ لها نبرة المرسوم، ووقع المطرقة على خشب المنصة.
قالها واقفًا في ثياب نومه، بثباتٍ يُحسد عليه من لم يغادر فراشه بعد، وبصوتٍ مسموع كمن يختبر صلاحية الكلمة في الهواء:
"سأصبح وزيرًا".
لم يكن البيت مستعدًا لوزارةٍ عند السابعة صباحًا. الستائر نصف مرفوعة كأنها لم تحسم موقفها بعد من الصباح، وفناجين الأمس لا تزال تكدّس بقايا مساءٍ غارب. وفي الخارج، بدأت الهمسات تتسلل كالحقيقة حين تخشى أن تُقال بصوتٍ عالٍ. وجوه الجارات أو القريبات —الفرق بينهما يذوب حين تتكاثر الظنون— كانت تبحث عن "تزكية" أو "سيرة ذاتية" تبرر هذا الطموح المفاجئ. تساءلن بنبرةٍ ترتدي معطف الواقعية الثقيل: "ألا يجب أن يكون عضوًا في مجلسٍ ما؟". لكن عينًا أخرى برقت بتحدٍّ سائل: "ولِمَ لا؟ الممكن يولد من الجرأة لا من الأوراق".
هو لم يجب. لم يكن بحاجة إلى ذلك. أخرج سيجارةً وأشعلها ببطءٍ محسوب، كما يُشعل قرارًا مصيريًا، وتركنا معلّقين بين التصفيق والريبة، ثم اتجه بخطىً واثقة نحو المطبخ.
وهنا، فقط هنا، انكشف جوهر السلطة.
ليست الوزارة ما يستدعيه، إنها القهوة. وقف أمام الدلّة بتركيزٍ لا يتوفر عادةً إلا في إدارة الأزمات الكبرى. لحقتُ به، وقلت بنبرةٍ نصفها إصلاحٌ سياسي ونصفها غيرة منزلية:
"عليك أن تبدأ بتغيير عاداتك.. الوزير لا يدخل المطبخ".
توقف لحظة، نظر إليّ بعينين فيهما مكر الطفل وحكمة الرجل الذي يعرف حدوده، ثم تراجع خطوتين، لا كمن ينسحب، بل كمن يمنح خصمه وهم التقدّم. سبقتُه إلى الدلّة، ممارسةً سلطةً مصغّرة، وزارةً للبنّ المطحون.
هز رأسه بيقينٍ هادئ وقال: "ستفسدينها.. ستنزعين حلاوة المزاج بقهوتك".
ثم أضاف، وكأنه يوقّع استقالته قبل أن يتسلّم المنصب، أو ربما يُعلن تمسكه بالسيادة الحقيقية:
"أتنازل عن الوزارة.. لكن القهوة لا".
ضحكنا؛ لأننا أدركنا فجأة أن الدولة يمكن أن تُدار بالتفويض، القرارات تُوقّع والمهام تُوزّع، أما المزاج —هذا الشيء الصغير غير القابل للقياس— فلا يُفوَّض أبدًا. السلطة ليست ما نعلنه في الميادين، بل ما نحرسه في التفاصيل التي لا يشاركنا فيها أحد.
تركته يحرّك الملعقة ببطءٍ دقيق، كأنه يعيد ترتيب البلاد في فنجان، وأدركتُ أن أعظم القرارات المصيرية قد تبدأ بثياب نوم، وتنتهي برغوةٍ خفيفة تطفو على سطح الصباح حصرية بقلمي ...
قالها واقفًا في ثياب نومه، بثباتٍ يُحسد عليه من لم يغادر فراشه بعد، وبصوتٍ مسموع كمن يختبر صلاحية الكلمة في الهواء:
"سأصبح وزيرًا".
لم يكن البيت مستعدًا لوزارةٍ عند السابعة صباحًا. الستائر نصف مرفوعة كأنها لم تحسم موقفها بعد من الصباح، وفناجين الأمس لا تزال تكدّس بقايا مساءٍ غارب. وفي الخارج، بدأت الهمسات تتسلل كالحقيقة حين تخشى أن تُقال بصوتٍ عالٍ. وجوه الجارات أو القريبات —الفرق بينهما يذوب حين تتكاثر الظنون— كانت تبحث عن "تزكية" أو "سيرة ذاتية" تبرر هذا الطموح المفاجئ. تساءلن بنبرةٍ ترتدي معطف الواقعية الثقيل: "ألا يجب أن يكون عضوًا في مجلسٍ ما؟". لكن عينًا أخرى برقت بتحدٍّ سائل: "ولِمَ لا؟ الممكن يولد من الجرأة لا من الأوراق".
هو لم يجب. لم يكن بحاجة إلى ذلك. أخرج سيجارةً وأشعلها ببطءٍ محسوب، كما يُشعل قرارًا مصيريًا، وتركنا معلّقين بين التصفيق والريبة، ثم اتجه بخطىً واثقة نحو المطبخ.
وهنا، فقط هنا، انكشف جوهر السلطة.
ليست الوزارة ما يستدعيه، إنها القهوة. وقف أمام الدلّة بتركيزٍ لا يتوفر عادةً إلا في إدارة الأزمات الكبرى. لحقتُ به، وقلت بنبرةٍ نصفها إصلاحٌ سياسي ونصفها غيرة منزلية:
"عليك أن تبدأ بتغيير عاداتك.. الوزير لا يدخل المطبخ".
توقف لحظة، نظر إليّ بعينين فيهما مكر الطفل وحكمة الرجل الذي يعرف حدوده، ثم تراجع خطوتين، لا كمن ينسحب، بل كمن يمنح خصمه وهم التقدّم. سبقتُه إلى الدلّة، ممارسةً سلطةً مصغّرة، وزارةً للبنّ المطحون.
هز رأسه بيقينٍ هادئ وقال: "ستفسدينها.. ستنزعين حلاوة المزاج بقهوتك".
ثم أضاف، وكأنه يوقّع استقالته قبل أن يتسلّم المنصب، أو ربما يُعلن تمسكه بالسيادة الحقيقية:
"أتنازل عن الوزارة.. لكن القهوة لا".
ضحكنا؛ لأننا أدركنا فجأة أن الدولة يمكن أن تُدار بالتفويض، القرارات تُوقّع والمهام تُوزّع، أما المزاج —هذا الشيء الصغير غير القابل للقياس— فلا يُفوَّض أبدًا. السلطة ليست ما نعلنه في الميادين، بل ما نحرسه في التفاصيل التي لا يشاركنا فيها أحد.
تركته يحرّك الملعقة ببطءٍ دقيق، كأنه يعيد ترتيب البلاد في فنجان، وأدركتُ أن أعظم القرارات المصيرية قد تبدأ بثياب نوم، وتنتهي برغوةٍ خفيفة تطفو على سطح الصباح حصرية بقلمي ...