المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيها الخطأ شكرا


مُهاجر
02-06-2026, 10:35 AM
في الحياة هناك مسابقة وتسابق نحو الوصول إلى الكمالات، لا تستثني ولا تقصي ورود الفشل بين تدافع الخطى في بعض الأماكن والأوقات، مع وضع ذلك الاحتمال، ووضع العلاج للتعافي من ذلك العارض المدان.


ما تسير عليه حياة الكثير من الناس أنهم تائهون في الحياة، تصفعهم الأحداث، وترديهم النكبات، من غير أن يجعلوا منها نصل مناعة كي لا تلتهمهم الحسرات، وتحبسهم الإحباطات، ولكي لا يكونوا ضحايا تنهشهم كواسر اليأس، وتنزع روح كفاحهم مدية الانكفاء على سيرة وتأريخ الماضي الذي فات.


قليل هم الذين يجعلون من الفشل والخطأ سلما للنجاح، به يتجاوزون، ويتعالون على آهات وأنين الماضي، ويبتعدون بأجسادهم وأرواحهم عن جلد ذواتهم، ولسان حالهم ومقالهم:
"ما فات مات، والمرء وليد اللحظة والآن".



ومنها ينطلقون بجناحين يبتعدون بهما عن مسرح الذكريات التي دفنوا فيها تلك الأخطاء، ليبدؤوا بصفحة جديدة بعدما أضافوا لرصيد حياتهم من التجارب والمشاهدات.



من هنا نفصل بين من:
"يخرج من رحم الماضي المعاش الذي طوقته الأخطاء بقوة وعزيمة لا تعرف الخضوع ولا المستحيل"،
وبين من:
"يخرج منه وهو مكلوم، يثعب كيانه وكنهه بالهزيمة والانكسار".




ليتنا نقول:
"يا أيها الخطأ شكرا، فمنك تعلمنا الصواب، ولولاك ما عرفنا وجهتنا ولا معنى لهذه الحياة".
من هنا يطل برأسه السؤال: لماذا لا نخضع أنفسنا لصدمات الخطأ، ولو كان عارضا وغير مقصود، لنجعله وقود دفع نحو التفوق، وتجاوز البكاء على الأطلال الذي يطول المقام على أعتابه، بدل أن نجعله سببا للجمود والانحسار والأفول؟
من أمعن النظر في سير هذه الحياة، وبأنها جبلت على تقلبات ومتغيرات، يكون بين حناياها وجانبيها السلب والإيجاب، والحلو والمر، والسعادة والشقاء، والفرح والبكاء.





لنجعل نظرتنا لها لا تقتصر على
"تلك النكبات والويلات"،
وذاك
"العويل والصرخات"،
ونتجاهل ذلك التيار الهادر، المتدفق المنساب بالإيجاب، وما ينبض فيه من جميل معنى للحياة.






لتكون لتلك النظرة التشاؤمية ارتدادات وأزمات:
شعورية،
وجدانية،
ونفسية.
ليكون المحصول هزيمة نفسية تهدد بقاء ووجود ذلك الإنسان.



فالحياة مكتظة بالغنائم والفرص، ولا يعي ذلك إلا الذكي الذي يخضع ويطوع تلك البلايا والهزات ليحولها بداية مشوار نحو التفوق والنجاح، والسير في هذه الحياة على وقع الكفاح.



من المحقق والأكيد أن للخطأ وقعا شديدا، ومآلات ومصيرا وخيما.
ولكن يبقى على الإنسان التعايش مع واقع الحال، فليس له اختيار ولا خيار غير التسليم أو البوار.
لعل كلمة "الخطأ" تحمل في طياتها ما يغاير صائب الأمور، ولكن ما لا نعرفه أنه قد يكون محفزا ودافعا لتغيير القبلة، وتدارك الأمر لتستقيم به الأمور، حين نأخذ "الخطأ" مجردا من غير أن نتبعه ببيئته التي نشأ منها، لنعرف هويته وكنهه وحقيقته.


وكلما حللنا طبيعته تيقنا بأنه كالهواء، يتنقل ليطوف بالجميع، لندرك المباين له، والذي منه ينبثق، ومنه يناله التوثيق أو الانعتاق ليفارقه ولو بعد حين.


كم هو جميل حين نجعل من المثالب التي تصيبنا من غير قصد منا ولا تربص بها مفتاحا نلج به ساحة نركض حولها، ونجلب معدات الإصلاح لنعيد تركيب أنفسنا، ونجعل من الخطأ وجه المقارنة، والصورة المجانبة والمخالفة، التي منها وبها نعيد برمجة أقوالنا وأفعالنا، تاركين بعض المساحات الضيقة نلقي فيها فتات ما قد يتساقط من الأخطاء، لنعيد تقييمها ونصلح المعوج منها.



وقفة إكبار وشكر وعرفان لذلك الخطأ العلمي، الذي كان سببا لسبر مكامن العلم كي أزداد، ليكون مني ذلك الإقدام، والاقتحام، والإقحام، لكل فن وعلم تنوع مذاقه، وكم جنينا من ثماره، وغنمنا ما لذ وطاب.
ولك مني التحايا أيها الخطأ العملي، فلولاك لما أدركت، وتعثرت بذاتي، واكتشفت من ذلك قدراتي، وعلمت حقيقة حالي.


فمن ذلك تجلت لي عظمة ما أودعها الله في، لأنطلق من جديد، وقد ترافق وتوافق وتعانق ظاهري بباطني، وقد ولدت من ذلك من جديد.


ولا يفوتني أن أثني على الخطأ الاجتماعي، حين اضطرني إلى إعادة النظر في أمر العادات والتقاليد، التي ظننتها وعددتها من الهذيان ومن بقايا "التخاريف"، حتى أدركت، بعد أن نبهني الخطأ، أنها تعد لنا هوية، بها يكون لنا معنى، وهي لنا في الأصل الجذور والشرايين.



ولك الشكر أيها الخطأ الديني، حين وجدت ذلك الانفصام، وذلك التناقض والخصام، بين ما نؤديه من عبادات وبين أثرها في واقع الحال، وتلك الغربة التي لا يؤنسها غير إدراك معنى العبادة، وماذا تعني معرفة الله.
ومن جملة الشكر لذلك الخطأ العاطفي، بعد أن رأيت وتعلمت كيف أن القلب والمشاعر لا يملكها إنسان، ولا تهب لأي إنسان، وبأنها مشرعة ليس بها نوافذ ولا أبواب.


ولكن لا يسعنا حيال ذلك غير إبعادها عن مكامن الاستقطاب والاجتذاب، كي لا نذوق المر ألوانا، وبأن القدر في نهاية المطاف هو صاحب القرار، وما نحن غير أسباب، منها ينفذ فينا ذلك القدر بذاك القرار.
لقد بت مقتنعا أن الخطأ هو معلمي، إذا جعلته لي مؤشر مراجعة أقيم به ذاتي، وأصلح نفسي، لأسعد في هذه الحياة.

دحومي
02-06-2026, 11:09 PM
طرح رائع
ومفعم بالجمال والرقي
يعطيك العافيه على هذا الطرح
وسلمت اناملك المتألقه لروعة ما جادت به
تقديري لك
دمتم بسعاده

رآنيا
02-20-2026, 02:43 AM
هناك من يخطئ ثم يتذرع بالحكمة
فيجعل من عثرته فلسفة يقنع بها نفسه ليستريح
ذلك اخطر من الخطأ نفسه
الفرق بين من يخرج من رحم الماضي قويًا
ومن يخرج منه مكسورًا
ليس في عدد العثرات بل في طريقة النظر إليها
قلت “ما فات مات، والمرء وليد اللحظة والآن.”
وأنا أقول ما فات لا يموت لكنه يتبدّل
يتحوّل من جرح ينزف إلى ندبة تُذكّر
ومن قيد يشدنا إلى الخلف إلى عصا نتوكأ عليها ونحن نصعد
الحياة لا تعطي احدا حصانة ضد الفشل
حتى اولئك الذين تراهم يسيرون بثقة يحملون في اعماقهم مقابر صغيرة لأحلام لم تكتمل
لكنهم لم يجعلوا تلك المقابر بيوتهم

موضوع جميل وقيّم
بوركت جهودك ولا تحرمنا من جديدك المميز
متشوقة لقراءة ما يجود به قلمك

~