المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصتي مع ابنتي زينب


مُهاجر
01-30-2026, 07:45 PM
في طور النية لكتابة بعض الخواطر عن تلك الرحلة التي لا تزال قائمة بيني وبين مُهجة الروح، والتي كانت امتدادًا لعمرٍ تقاسمنا فيه الحلو والمُر، بين فرح العافية وحزن المرض، بين رجاء الشفاء والخوف من فاجعة الزوال. تناقضات عشناها معًا، وما وَاسَى رحلتنا أن كِلَينا تشبَّع بالإيمان وارتوى من معين اليقين. ومن ذلك المنبع عشنا على ضفاف الرجاء.

حبيبة القلب زينب /
خصصتُ لها نصيبًا من اسمي، وقاسمتُها أنفاسي ونبضي. عشنا معًا منذ الصغر، وخضنا غمار الحياة تحت سقفٍ واحد. لعبنا معًا، بكينا معًا، غنينا معًا، وسهرنا معًا. رسمنا خُطط الحياة معًا، ووضعنا الأهداف معًا.

كانت زينب — وهي رضيعة — كثيرة البكاء، ولستُ أبالغ إن قلتُ إن بكاءها كان يملأ علينا الليل والنهار، فلا نفارقها حتى تهدأ صرخاتها التي كانت تطلقها ألمًا. ولعل سبب ذلك البكاء يعود إلى ما رافق ولادتها من ابتلاء.

لكننا تجاوزنا تلك المرحلة، وقلَّ بكاؤها بعد أن تجاوزت أشهرها الأولى. غير أن مسيرة حياتها لم تكن كحياة سائر الأطفال! ومع ذلك، في خضم المعاناة، كان الأمل يطرق نوافذ حياتنا، وكنا نستقي الصبر من خزائن ربٍّ رحيم.

فعند بلوغها السنة الأولى، خضعت للعملية الجراحية الأولى، وكان النجاح حليفها بفضل الله أولًا، ثم بمهارة الأطباء المشكورة. ومنذ ذلك الحين، تغير حالنا، فغادر الحزن بيتنا وحلَّ الفرح محلَّه، فعمَّت الفرحة أرجاء حياتنا.

لقد توقفتُ عمدًا عند هذه المرحلة لأبيِّن مدى المعاناة لمن كان له أولاد كمثل زينب، وإن اختلفت درجة ال**** أو مدتها.

**وهنا:**
نتجاوز تلك المرحلة لنعرج على مرحلة الابتدائية التي أذكرها وأتذكرها. كانت زينب تُحبني حبًّا يبلغ حد الإغراق، فكانت تُقلدني وتسعى لكسب وُدّي، تتبع أثري، تستقصي ميولي، وتُثير فضولي. أما أنا، فكنت أفتش في خبايا فكرها، أتأمل ميولها، وأستكشف مواهبها، كأنها عجينةٌ طريّة تحتاج إلى من يُشكِّلها، أو أرضٌ خصبة تنتظر البذرة التي تُغرس فيها.

كانت لي مكتبة صغيرة في زاوية المجلس، أقرأ فيها كلما سنحت الفرصة، وكنت — ولا أزال — نَهِمًا بقراءة الكتب. وكانت زينب تأتي في كل مرة لتعبث ببعض الكتب، محاولةً تقليدي، سعيًا لكسب مودتي وتوثيق محبتي، وإعلان تفضيلي لها على سائر إخوانها!
رأيتُ في تعلقها بي فرصةً للتعليم، فليس هناك أفضل من غرس المعرفة في قلب وعقل مُريدٍ متلهف. فالإنسان يقبل التوجيه ممن انشرح له قلبه وقرَّبه إليه. ومن هذا المنطلق، كنت أطلب من زينب أن تأتي بكتابٍ لتقرأه عليَّ، ومن هناك كانت البداية.


اعتادت أن تقرأ الكتب معي في السيارة والبيت، وفي كل فرصة تجمعنا.

أما باقي الأولاد، فكانت نار الغيرة تشتعل في قلوبهم، وزينب مَنْ تُذكيها باستفزازهم وتدليلها من قِبلي، رغم وجود ابنتي الصغرى!


**زينب:**

حين تجاوزت المرحلة الابتدائية، حملت معها شغف القراءة حتى باتت لها شريان حياة. وهي التي كانت تحرص على اقتناء الكتب، دار بيننا حوارٌ منها أوقفتني عند بعض العقبات التي أحاول جاهدًا تخطّيها، غير أني في ذلك كمن يهرب إلى الأمام. وفي كل مرة أحاول مواجهة العقبة، أسوق لنفسي المبررات التي لا تتجاوز في أصلها كونها مسكّناتٍ مؤقتة!

هي تقرأ ما أكتبه — والغالب منه — وقد أبدَتْ لي رغبتها في أن تترك فيه بصمتها من تساؤلاتٍ وملاحظات. قصدتُ من ذلك أن أُحَرِّكَ فيها مكامنَ النقد، وأن تتمعن فيما تقرأ. وقد أخبرتها بأن القارئ لا بد أن يُمسك الكتاب بيدٍ ناقدة، ويُسَلِّط عليه سهامَ التحليل، لأنه بذلك يستوعب ما يقرأ حقَّ الاستيعاب.

ومن ذلك:
وجدَتْ في ما أكتبه بعضَ الهنّات من أخطاء إملائية ونحوية، جاءت بها من معلمتها. وقد أبدت المعلمة إعجابها بما أكتبه.

فقالت زينب:
لماذا لا تجتهد في تعلُّم النحو؟!

لا أذيعُكم سرًا :
بأنها وضعت "المِقْصَلَ على المَفْصِل"، وأنها اقتحمت بذلك طَرقًا كانت مقفرةً بمخاوفي، وذلك الإحباط الذي عانيتُ منه أعوامًا! رغم وجود أصدقاء وإخوة لي من جَبَابرة اللغة، ممن يُشار إليهم بالبَنان.


وبالفعل:
بدأت رحلة التعلُّم حينها، غير أن الإخفاق كان نصيبي في كل مرة، وأسبابُ ذلك تتلخّص في: قلة الصبر، وصعوبة الهضم، وتسويف الأمر!

اخرجتني "زينب" قهرًا من صمتي، ومن تلك المعاناة مع بعض من حملوا راية (العلم)، وظنوا أنفسهم قِمَمًا علميةً لا يُستَظَلُّ بظلّها إلا من انقطعت به سُبُل الاجتهاد، وعكف على تلقي العلم من أيدي المهرة، ممن ادّعوا المعجزات والمقامات! وفي حقيقة أمرهم، لم يكن إلا الغرور والفراغ من أخلاق طلاب العلم!

**— فبعض المواقف إما أن تُحطم همتك، وإما أن تزيدها صلابة —**

قالت زينب:
— اذكرْ لي مثالًا لبعض المواقف التي أثّرت عليك ممن ذكرتَ من أولئك المغرورين؟

قلتُ:
— مرةً طلبتُ من أحدهم إبداء ملاحظاته على ما أكتبه، فتأخر في الرد، فلما أعَدْتُ السؤال، أجاب:
"إنك لست جديرًا بأن أتوقف عند ما تكتب، فكفى بأنك تكتب!"

قالت:
— وهل كان هناك من يُشجّعك في المقابل؟

قلتُ:
— نعم، كانت هناك أديبةٌ من عمالقة اللغة، وناقدةٌ للشعر العربي، يُثني عليها عمداء الأدب. دخلتُ يومًا منتداهم، فوجدتُه يزخر بأعلام الأدب والشعر، ولا أخفيكِ أني إلى الآن لا أدرك كيف تجرأت على دخول ذلك العرين بمستواي المتواضع!

كانت البداية بإعجاب الأعضاء — وهنا يكون احتضان المبتدئين — لكن الناقدة الكبيرة كانت تُصحح لي الهنات، وتتألم لأخطائي، غير أن أسلوبها في النقد جعلني أتقبله منها. دار بيننا حوارٌ عميقٌ حتى أعلنتْ فجأةً أنها لن تنتقدني بعد اليوم!

قالت زينب:
— ولماذا؟!

قلتُ:
— خافت أن أهجرَ المكان! — ومَن أنا أمام أولئك العمالقة؟! —
ثم أرسلتْ إليّ رسالةً على الخاص تتوسل فيها أن أبقى، ولديَّ بعضٌ من رسائلها التي تُجسّد عظمةَ تلك الأديبة في رعاية المواهب وتصحيح مسارها دون تجريح.

قالت زينب:
— أريدُ قراءةَ بعض رسائلها!

قلتُ:
ها هي:

وَحينَ قَرَأْتُها قالَتْ :
شتان بين هذه وتلك!
تلكَ مَطارقُ تحطمُ المبتدئين،
وهذه أنفاسٌ تُحيي الهممَ!

مُهاجر
01-30-2026, 07:49 PM
في خِضَمِّ التَّجَارِبِ، تَبْرُزُ تِلْكَ الدُّرُوسُ الَّتِي حَقَّ لَهَا أَنْ تَكُونَ مَادَّةً دَسِمَةً،
يَتَناوَلُهَا ذَاكَ السَّالِكُ فِي دُرُوبِ الحَيَاةِ، وَالَّذِي لَا يَزَالُ لَمْ يَشُبَّ عَنِ الطَّوْقِ بَعْدُ.

وَكَمْ لَنَا مِنْ نِعْمَةٍ لَا نُحْسِنُ لَهَا شُكْرًا، وَلَا نُوَلِّي لَهَا اهْتِمَامًا،
وَمِنْ جُمْلَتِهَا ذَاكَ المَعِينُ المُنْتَشِرُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَالَّذِي يُسَهِّلُ مِنْ خِلَالِهِ جَنْيُ الفَائِدَةِ،
غَيْرَ أَنَّ الكَثِيرَ مِنَّا لَا يُهِمُّهُ أَمْرُ ذَلِكَ!

نَعُودُ لِزَيْنَبَ؛
كَانَتْ — وَلَا تَزَالُ — زَيْنَبُ مُغْرَمَةً بِسَمَاعِ القِصَصِ البُولِيسِيَّةِ،
وَتَلكَ القِصَصِ الَّتِي يَكُونُ مُحْتَوَاهَا "الأَكْشِنَ" وَالإِثَارَةَ.

كَثِيرًا مَا تَلْجَأُ إِلَى العُزْلَةِ فِي غُرْفَتِهَا، وَفِي قَرِيبٍ مِنَ الأَيَّامِ،
أَبْدَتْ لِي وَالِدَتُهَا أَنَّهَا فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ تَسْتَنْكِرُ مِنْهَا بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ، حَتَّى قَرَأْتُ فِي مَذَكَّرَتِهَا الخَاصَّةِ تِلْكَ العِبَارَاتِ القَاسِيَةِ،
وَتَلكَ الحَيَاةِ القَاتِمَةِ الَّتِي تَصِفُهَا بِهَا، كَأَنَّهَا حَبِيسَةُ الهُمُومِ، لِدَرَجَةِ وَصُولِهَا إِلَى التَّفْكِيرِ بِإِنْهَاءِ حَيَاتِهَا!

نَزَلَ الخَبَرُ عَلَيَّ كَالصَّاعِقَةِ، ثَارَنِي الأَمْرُ، وَغَضِبْتُ مِنْهَا،
حَاوَلْتُ كَظْمَ غَيْظِي، وَلَمْلَمَةَ غَضَبِي، مُحَاوِلًا بِذَلِكَ جَاهِدًا أَنْ أَكُونَ مُتَزِنًا فِي تَصَرُّفَاتِي.

طَلَبْنَا مِنْهَا أَنَا وَوَالِدَتُهَا أَنْ نَخْرُجَ مَعًا، لِشِرَاءِ مَا تُرِيدُ مِنَ احْتِيَاجَاتٍ،
وَفِي السَّيَّارَةِ فَتَحْنَا مَوَاضِيعَ بَعِيدَةً عَنِ الوَاقِعَةِ، وَأَنَا أُغْمِزُ لِوَالِدَتِهَا أَنْ تُشْرِعَ فِي الدُّخُولِ فِي المَوْضُوعِ.

وَبَعْدَ تَأَخُّرِ الإِجَابَةِ وَالعِدَامِ الاسْتِجَابَةِ مِنْهَا — وَالِدَتُهَا — بَاغَتُهَا بِسُؤَالِي عَنْ حَالِهَا، عَنْ دِرَاسَتِهَا،
عَنْ طُمُوحَاتِهَا، عَنْ حَاجِيَاتِهَا. زَيْنَبُ، كَوْنَهَا القَرِيبَةَ مِنِّي، فَطِنَتْ إِلَى أَنَّ وَرَاءَ كَلَامِي اسْتِنْطَاقٌ لِأَمْرٍ مَا!

ذَكَّرْتُهَا بِأَنَّ مَا تَشَاهِدُهُ وَتَسْمَعُهُ مِنْ قِصَصٍ يُؤَدِّي إِلَى التَّشَاؤُمِ وَكُرْهِ الحَيَاةِ،
فَتِلْكَ القِصَصُ فِي مَضْمُونِهَا كُرْهٌ لِلحَيَاةِ،
وَدَعْوَةٌ لِلانعِزَالِ، وَقَدْ يُؤَدِّي الأَمْرُ إِلَى الانتِحَارِ.

قُلْتُ لَهَا:
"مَا عَهِدْتُكِ غَيْرَ تِلْكَ الفَتَاةِ الَّتِي لَا تَطْلُبُ شَيْئًا إِلَّا وَتَجِدُهُ أَمَامَهَا، مَحْفُوفَةً بِالمَحَبَّةِ.
وَقَدْ تَعَاهَدْنَا أَنْ نَكُونَ كَالأَصْدِقَاءِ: تُصَارِحِينِي بِكُلِّ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الأُمُورِ العَمِيقَةِ
الَّتِي تَسْتَحْيِينَ مُكَاشَفَتِي بِهَا، فَتِلْكَ وَالِدَتُكِ مَعَكِ."

ذَكَّرْتُهَا بِالنِّعَمِ الَّتِي تَرْفَلُ بِهَا، وَقَارَنْتُ حَالَهَا بِحَالِ غَيْرِهَا.

كَانَ هَدَفِي إِخْرَاجَهَا مِنْ صَمْتِهَا، حَاوَلْتُ جَاهِدًا، لِدَرَجَةِ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ طَوْرِي،

وَغَضِبْتُ عَلَيْهَا، وَهِيَ سَاكِتَةٌ لَا تَنْطِقُ بِحَرْفٍ!

وَعِنْدَ وُصُولِنَا لِوِجْهَتِنَا، طَلَبْتُ مِنْ وَالِدَتِهَا الجُلُوسَ فِي السَّيَّارَةِ،
وَذَهَابِي مَعَ زَيْنَبَ وَحْدَنَا.
وَفِي الطَّرِيقِ، أَفْضَتْ بِمَا فِي قَلْبِهَا.


عُودًا جَدِيدًا مَعَ الحَبِيبَةِ "زَيْنَب":
لَا أُذِيعُكُمْ سِرًّا، أَتَتْنِي بَعْضُ الاسْتِفْهَامَاتِ حَوْلَ السَّبَبِ فِي تِلْكَ الحَالَةِ الَّتِي عَصَفَتْ بِزَيْنَبَ،
وَهَلْ كَانَتْ ظُنُونِي فِي مَحَلِّهَا؟!

وَالجَوَابُ عَلَى تِلْكَ التَّسَاؤُلَاتِ:
أَتْرُكُهَا لِزَيْنَبَ تُخْبِرُنَا عَنْ سَبَبِ تِلْكَ الحَالَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا. فَبَعْدَ أَنْ نَزَلْنَا مِنَ السَّيَّارَةِ،
سَأَلْتُهَا مِنْ جَدِيدٍ عَنْ سَبَبِ ضِيقِهَا، فَمَا أَنْ أَبْدَتْ لِي السَّبَبَ إِلَّا بِتِلْكَ الرُّوحِ كَأَنَّهَا عَادَتْ لِي مِنْ جَدِيدٍ!

فَقَدْ ذَهَبَتْ بِتَفْكِيرِي بَعِيدًا، وَأَنِّي قَدْ أَعِدْتُ العُدَّةَ، وَتِلْكَ التَّحْضِيرَاتِ لِمُوَاجَهَةِ مَا تُعَانِي مِنْهُ،
مِنْ تِلْكَ المَعْلُومَاتِ الَّتِي تَشَرَّبْتُهَا مِنَ الكُتُبِ، وَبَعْضِ التَّجَارِبِ فِي كَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ "الكَوَارِثِ الأُسْرِيَّةِ"!


إِلَى أَنْ أَبْدَتْ لِي ذَاكَ السَّبَبَ: بِأَنَّ مَا تُعَانِيهِ مِنَ اكتِئَابٍ هُوَ بِسَبَبِ صَدِيقَتِهَا الَّتِي ابْتَعَدَتْ عَنْهَا!
وَأَنَّهَا امْتَدَّتْ بِهَا المُدَّةُ وَلَمْ تُكَلِّمْهَا!

"وَأَنَا مِنْ غَمِيضَتِي عَلَيْهَا بَغَيْتُ أَدْخِلُهَا بِجَمْعٍ"!!!

قُلْتُ لَهَا:
وَهَلْ هَذَا الأَمْرُ يَجْعَلُكِ تَكْرَهِينَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا، وَمَنْ فِيهَا؟!!
أَرْجَأْتُ النِّقَاشَ إِلَى رُجُوعِنَا لِلسَّيَّارَةِ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ التَّسَوُّقِ.

فَأَوَّلَ مَا رَكِبْنَا السَّيَّارَةَ،
حَبِبْتُ أَسْوِيَ "أَكْشِنَ مَعَ أُمِّ زَيْنَبَ" — قُلْتُ لَهَا:
"إِنَّ زَيْنَبَ سَبَبُ زَعْلِهَا هُوَ أَنْتِ!"

قَالَتْ:
وَكَيْفَ ذَلِكَ؟!


قُلْتُ لَهَا:
"أَمْزَحُ مَعَكِ، غَيْرَ أَنَّ زَيْنَبَ أَخْبَرَتْنِي عَنْ سَبَبِ ضِيقِهَا. فَتِلْكَ الصَّدِيقَةُ كَانَتِ ابْنَةَ خَالَتِهَا،
وَهِيَ كَالظِّلِّ وَالهَوَاءِ وَالمَاءِ جَمِيعًا، لَا تَسْتَغْنِي إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى.

نَاقَشَتْهَا وَالِدَتُهَا، وَأَرْجَعَتْنَا لِبِدَايَةِ الخِلَافِ بَيْنَهُمَا، وَبِأَنَّ الأَمْرَ قَدِ انْتَهَى. وَمَا كَانَ مِنْ زَيْنَبَ إِلَّا تِلْكَ الهَوَاجِسُ،
وَ الخَوْفُ مِنَ الوُقُوعِ فِي شَرَكِ ذَلِكَ الخِلَافِ مَرَّةً أُخْرَى!"

بَدَأْتُ حَدِيثِي مَعَ زَيْنَبَ:
أَخْبَرْتُهَا أَنَّنَا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ لَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَضَعَ أَقْسَى الاحْتِمَالَاتِ، وَنَرْسُمَ ذَلِكَ السِّيْنَارْيُو القَاتِمَ،
فَنَحْنُ نَسِيرُ فِي الحَيَاةِ وَتِلْكَ الأَلْغَامُ تُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ وَجَبَ عَلَيْنَا تَحْصِينُهَا،
وَتَرْبِيَتُهَا، وَتَرْوِيضُهَا. نَتَعَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ حُبَّ الذَّاتِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيسٍ، وَمِنْ غَيْرِ إِعْلَاءِ صَوْتِ "الأَنَا"،

وَأَنْ لَا نَتْرُكَ النَّفْسَ مُوْدَعَةً فِي خَزَائِنِ النِّسْيَانِ وَالإِهْمَالِ، لِأَنَّ مَصِيرَنَا الرُّجُوعُ إِلَيْهَا فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ.
وَإِنَّ النَّفْسَ اليَوْمَ تَشْكُو الهَجْرَ، حِينَ جَعَلْنَا مَشَاعِرَنَا وَأَحَاسِيسَنَا وَجَوَارِحَنَا كُلَّهَا لِغَيْرِنَا!
بَعْدَ أَنْ نَسِينَا فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ، وَحِرْصٍ عَلَى وُجُودِ مَنْ نُحِبُّهُمْ بِجَانِبِنَا.

فَمَا يُعَانِيهِ الكَثِيرُ مِنَّا يَا زَيْنَبُ هُوَ إِهْمَالُ النَّفْسِ، وَتَسْخِيرُ كُلِّيَّتِنَا - مِنْ مَشَاعِرَ وَغَيْرِهَا - لِمَنْ نُخَالِطُهُمْ،
وَفِي غَالِبِ تِلْكَ التَّضْحِيَاتِ الكَثِيرُ مِنَ الخَيْبَاتِ!

فَلَا بُدَّ لَنَا يَا زَيْنَبُ وَضْعُ خَطِّ رَجْعَةٍ فِي تَعَامُلَاتِنَا مَعَ بَنِي جِنْسِنَا، وَأَنْ نَحْسُبَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي سَنَبْقَى فِيهِ مَعَ أَنْفُسِنَا،
كَيْ لَا تَلْسَعَنَا عَصَا الغَفْلَةِ، وَكَيْ لَا تُهْشَمَ حَيَاتُنَا مِطْرَقَةُ النُّكْرَانِ!

يَا زَيْنَبُ:
لَا زِلْتِ صَغِيرَةً، لَمْ تَعِيشِي وَاقِعَ الظُّلْمِ بَعْدُ!
إِنَّمَا هِيَ رَدَّةُ فِعْلٍ، وَقَرْصَةُ أُذُنٍ، ثُمَّ عَوْدَةٌ،
وَضَمَّةُ حَضْنٍ!

فَمَا تَقُولِينَ فِي الَّذِي عَاشَ فِي اتُّونِ الظُّلْمِ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ؟!"

قَالَتْ زَيْنَبُ:
"حَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِكَ."

قُلْتُ لَهَا:
"سَأَسْرُدُهَا لَكِ فِي القَادِمِ مِنَ الوَقْتِ، بِإِذْنِ الوَاحِدِ الأَحَدِ.".

مُهاجر
01-30-2026, 07:50 PM
قبل أن أشرع في الدخول إلى قصتي،
تذكرت أمرًا قد أشرت إليه سابقًا، وهو موضوع غيرة الإخوة،

وهنا وددت الحديث عنه قليلاً:
من طبيعة البشر ميول القلب لأحدهم، ففي المحصلة يبقى القلب ليس لنا سلطان عليه، ولا يعني
هذا أن نجعله مُشرَّعًا من غير ضوابط أو قيد. وكي لا أُسهب في هذا الجانب،

أخص بالذكر – وهو محور حديثنا – ميول قلب الوالدين لأحد الأبناء، وهو أمرٌ واردٌ حدوثه.
ومن ذلك وجب على الحصيف منا الحَذَر، وهو أن يجعل ذلك الميول مكانه القلب، من غير أن يُبدي به،
لكي لا ينكشف لباقي الأبناء، فتكون نتيجته الحسد والحقد اللذان قد يُسببان عواقب وخيمة!

ولنا في قصة إخوة "يوسف" – عليه الصلاة والسلام – عظة وعِبرة!

فالبعض
قد يتحجج، أو لنقل يُبرِّر ذلك الفعل وكأنها الورقة التي يضغط بها على الأبناء حين يجرهم لتحسين
أسلوبهم في الحياة، من جانب الأخلاق، الدين، الدراسة، ونحو ذلك. ويترتب على ذلك نتائج وخيمة،
لأن الأسلوب قد يصلح لأشخاص ولا يصلح لآخرين!

فالأمر محفوف بالمخاطر!

أما أنا شخصيًا؛
ففي البيت، في كثير من الأحيان أتعمد – بل أتَلذَّذ – رفع ضغط الأبناء، حين أُصرِّح بحبي لـ"زينب"، ولي من
الأسباب ما يُجبرني على التصريح بذلك، فقد جمعت "الزين كله". أما البقية فما يكون دورهم غير رفع الضغط!!
فطبيعتي لا أحب تكرار الأمر، وقد اكتفيت تلقينًا بشرح الواجبات والحقوق التي لهم وعليهم. ومن المضحك حين ينتقدني أحد الأولاد بقوله:
"تخلينا نكره زينب بالغصب من كُثر ما تمدحها قدامنا!"

كلام ذلك المنتقد – من الأبناء – في محله، وإن كان غارقًا في الخطأ. فهناك من الأبناء من لا يقبل المقارنة بغيره؛ كونه كيانًا مُنفصلاً
ومُنفرِدًا، له خصوصيته، وله قدراته، وله سلوكياته. حتى "زينب" بنفسها تكره تلك المقارنة!

فالبعض يجد في تلك المقارنة تحجيمًا لجهوده، والبعض الآخر يجد فيها تهديدًا لوجوده – في قلب والديه –
ليبقى سلاحًا ذا حدين، يلزم مَن يحمله معرفة مواضعه!

فقد
تيقنت من خلال التجربة أن المقارنة لابد أن تُتبع بشرح الأسباب لتلك المقارنة، حين يكون مقصدها شحذ الهمم،
وتبيين أن المقارَن به ليس أفضل منه، بل هو أفضل منه لكون المقوِّمات التي معه تفوقه بمراحل. وما يحتاج إليه
هو الإيمان بتلك القدرات، وتوظيفها لبلوغ الغاية والهدف. وبأنه يتمنى دائمًا أن يكون أولاده قد ازدانوا بجميل الشمائل،
وتفوقوا على سائر أقرانهم من حيث العلمِ والخُلق.

مُهاجر
01-30-2026, 07:51 PM
يفوق الوصفِ ذاكَ الشعورُ الذي لا يزالُ أثرُه طافياً على سطحِ الحاضرِ،
فليسَ كمثلِ طعنةِ الأخِ في ظهرِ من جعلهُ يوماً مُحْزِماً، إذا ما اشتدتْ نوائبُ الدهرِ.

تلكَ القصةُ يا زينبُ؛
تقادمَ عهدُها، فقدْ تجاوزتْ ثُلثَ قرنٍ في العدِّ، في بدايتِها كانتِ الألفةُ تُرفرفُ فوقَ رؤوسِ الإخوةِ،
بعدَ أنِ اجتمعَ حولي كوكبةٌ منَ الشبابِ الذينَ صاغَهُمُ القرآنُ، وشربوا من معينِ الإيمانِ،
وكانوا مَحطَّ أنظارِ العامةِ والخاصةِ، وكانوا مثلاً للشبابِ المستقيمِ، الذينَ ترجموا الأخلاقَ عملاً،
وقدْ تجاوزوا بذلكَ القولَ، سارتْ بنا الأيامُ ونحنُ كالجسدِ الواحدِ، وإعدادُ الملتحقينَ بالركبِ يتناسلُ.

فعَمَّ الخيرُ ربوعَ القريةِ، بلْ شملَ المحيطَ الذي تجاوزَ حدودَها،
وبفضلِ اللهِ كنتُ في المقدمةِ، فكانَ التوجيهُ والإرشادُ.

وبعدَها، تغيَّرَ الحالُ بعدَ أنْ نزغَ الشيطانُ بينَ البعضِ منا،
حتى تسلّلَ الغرورُ في قلبِ أحدِهم، حتى سعى لنيلِ المكانةِ، واستقطابِ الشبابِ، لينفردَ بهم،
فسقاهُم من فكرِهِ المتشدِّدِ، فاهتمَّ بالقشرِ والشكلِ، وتركَ اللبَّ والأصلَ.

حاولَ استمالتي، غيرَ أني ابتعدتُ، بعدَ أنْ أسديتُ لهُ النصحَ، وتركتُهُم،
غيرَ أنهُ لم يكتفِ باعتزالي عنهم، بلْ أخذَ في تشويهِ سمعتي، فقذفني بأعظمِ التُّهمِ!

زينبُ:
تستمعُ وهي متعجبةٌ، من تلكَ الانتقالةِ العظيمةِ، وكأنها تعيشُ التناقضَ في تلكَ القصةِ،
حينها، قطعَ علينا جرسُ البابِ، فأبديتُ لها إرجاءَ القصةِ، فيما بعدُ.


بعدَ تِلْكَ الاستراحةِ التي تخلَّلَت زيارةَ ذاكَ الزائرِ، بدأتْ زينبُ بسيلٍ منَ الأسئلةِ، حولَ تلكَ الانتقالةِ،
من أقصى اليمينِ إلى أقصى الشمالِ.

فكانَ منها هذا السؤالُ:
ما تعجَّبتُ منه، كيفَ يكونُ من ذاكَ الذي سلكَ دربَ الرشادِ أن تكونَ منه تِلْكَ الشطحاتُ،
بحيث يُشَيطِنُ من كانَ له بالأمسِ سراجُ هدايةٍ بعدَ اللهِ؟!

قلتُ:
تبقى نفوسُ البشرِ وقلوبُ البشرِ متقلبةَ الحالِ، فينتابُها عواملُ "تعريةٍ" تُكشَفُ منها معادنُها،
ويبقى الابتلاءُ على قدرِ الإيمانِ، فهناكَ من يعبدُ اللهَ على حرفٍ، ومنهم من إيمانُه كالجبالِ في ثباتٍ.

حبُّ الوجاهةِ وشهوةُ الظهورِ تكونُ وقودَ البعضِ، مَنِ انسلخَ من رِبْقَةِ الإيمانِ، فما عادَ للتقوى وخوفِ اللهِ
في معادلاتِ حياتِه وزنٌ، حينَ مالَ للحياةِ وزخرفِها. من ذلكَ يكونُ إماطةُ اللثامِ عن سؤالِكم ذاكَ، وفي مُخْتَصَرِه يبقى الإنسانُ
رهينَ توجهِه وما استقرَّ في قلبِه من نوازعِ النفسِ وتِلْكَ المغرياتِ من حطامِ الحياةِ.

نرجعْ يا زينبُ لبعضِ تفاصيلَ قضيتي في قصتي:
كانتِ اللقاءاتُ مع أفرادِ المجموعةِ، وأنا بعيدٌ عن ذاكَ الضجيجِ الذي يصدرونَه. اختليتُ بنفسي،
فكانَ جليسي الكتابَ.

قالتْ زينبُ:
وكيفَ لكَ أن تتجاوزَ ذاكَ الظلمَ الذي وقعَ عليكَ؟
وكيفَ تأقلمتَ مع واقعِكَ الجديدِ؟!

قلتُ لها:
بهذا السؤالِ، وصلتِ لما كنتُ أريدُ توصيلَه إليكِ. لو رجعنا لقضيتِكِ مع ابنةِ خالتِكِ،
لوجدتِ في سياقِ كلامي الإجابةَ على سؤالِكِ!

فقد كانَ في معرضِ حديثي معكِ أنَّ الإنسانَ لابدَّ أن يُحَضِّرَ لذاكَ اليومِ الذي سيأتي ويبقى وحيدَ نفسِه،
فالدنيا لن تُعْقَمَ من ولادةِ الخلافاتِ وتلكَ النكباتِ. وما المطلوبُ منَّا غيرَ تحضيرِ أنفسِنا نفسيًّا ومعنويًّا
وفكريًّا؟ ومن ذلكَ توظيفُ ما سيقعُ علينا وإدارتُه الإدارةَ الصحيحةَ، بحيثُ لا يكونُ لنا وَقْعُ نهايةٍ
وزوالِ وجودٍ!

فعليْنَا جعلُ المحنِ تلكَ منحٍ تُحْدِثُ الانتقالَ للأفضلِ. وبذلكَ نجعلُ من الأزماتِ حوافزَ نُحَرِّكُ بها
تلكَ الإمكاناتِ التي لم نكتشفْها في أوجِ انشغالِنا بهوامشِ الأمورِ!


قالت زينب:
أوهل يعني هذا السكوتُ على الظلم؟!

قلت:
الكثيرُ من الناس حين يستشهدون بمواقف النبي عليه الصلاة والسلام يذكرون الشاهدَ من ذلك: العفوَ والتجاوزَ،
من غير أن يقفوا ويُفصِلوا بين المواقف التي يكون فيها إمكانُ العفو، وتلك المواقف التي وجب فيها الحزمُ!

فقد كنتُ طيلةَ الـ15 سنةٍ التي قضيتُها في "المنفى"، بعيدًا كلَّ البعد عن الأحداث. وما كانت بدايةُ المواجهةِ إلا بعد تقاطر
بعض أعضاء تلك المجموعة للجلوس معي؛ يحاولون بذلك السماعَ من الطرف الآخر. فكان شأنُهم شأنَ المُنصفِ منهم.
وحين وصل الخبرُ إلى زعيمهم، انتفضَ غضبًا، حتى وصل به الأمرُ إلى استصدار فتوى تُوجِبُ "مقاطعتي"، وتحريمَ التسليمِ عليَّ!

قالت زينب:
ولماذا كلُّ هذا؟!

قلتُ لها:
هي سياسةُ الخائفِ على "عرشه"! فكانت منه ضربةٌ استباقيةٌ،
كي يقطعَ على كلِّ من تُحدِّثه نفسُه الجلوسَ معي!

فرأيتُ الجميعَ بعدها - ممن كانوا معنا مُنذ مراحلهم الابتدائية - يمرُّون عليَّ ولا يُسلِّمون،
وقد أُوغِرَتْ قلوبُهم حقدًا عليَّ!

قالت:
ما يضرُّهم لو تركوكَ في حالك؟!

قلتُ:
هم يعلمون أني المعادلةُ الصعبةُ، وأنهم مهما شوَّهوا صورتي،
فلن يقدروا على ذلك صبرًا!

قالت:
وهل سعيتَ للصُّلح؟
ولمِّ الأمرِ؟

قلتُ:
ذهبتُ إلى زعيمهم بنفسي، وأبديتُ له حُسنَ النية، ووعدتُه بتجاوزِ كلِّ تلك الاتهامات
لنفتحَ صفحةً جديدةً، فوعدني بعدما اشترط عليَّ بعضَ الشروط!
فوافقتُ على شروطه.

قالت:
وبعدها؟

قلتُ:
نكثَ وعده، وعاد إلى خُبثِه!

قالت:
وكيف كانت المواجهةُ؟
وهل كانت لديك حينها خطوطٌ حمراءُ؟
مَن يتجاوزْها يكونُ منك الجوابُ،
وذاك الهجومُ المُباحُ؟

قلتُ:
في قادمِ المراتِ، يكونُ الجوابُ على ذاك.

مُهاجر
01-30-2026, 07:53 PM
توقفنا معًا عند سؤال زينب عن تلك الخطوط الحمراء التي وضعتُها في تعاملي مع الآخرين. فكان هذا جوابي عليها: منذ بداية سعيي الحثيث للصلح، وبعد مُباركة ذاك القائد أن أذهبَ لأتباعه وأجلسَ معهم، بدأت بأكثرهم شراسةً – والذي أعتبره أحقدَ من زعيمه – وهو بالمناسبة أخو أخي الأكبر من الرضاعة! وقد كان معنا منذ صغره! فبعد الانتهاء من صلاة العصر، طلبتُ منه أن يأخذَ من وقته خمسَ دقائق فقط لأبينَ له الوجه الآخر للمشكلة، فرفض الجلوس ولو لدقيقة! بحجة انشغاله وارتباطه بموعد مُسبق. فما كان منه – وأنا أتكلم معه – إلا أن أخرجَ ما ذاقَ به صدرُه ذَرعًا، وقذفَ بنيران غضبه عليَّ، واتهمني بأني أصلُ المشكلة، ولا يزالُ يَكيلُ لي التُّهمَ. فقلتُ له: "هل انتهيت؟!" ليُجيبَ: "هناك الكثير"، فانصرف عني! في المساء، وصلني الخبر بأنَّ ذاك "الشرس الحاقد" حرَّف الحديثَ الذي دار بيننا، واختلق روايةً بعيدةً كلَّ البُعدِ عن الواقع. ولا أُذيعُكم سرًّا: هنا كان تجاوزُه لتلك الخطوط الحمراء في عُرفي – بعد أن استنفدتُ كلَّ وسائل ضبط النفس. وفي اليوم التالي، صليتُ العصرَ في ذات المسجد، وبعد أن انتهيتُ من الصلاة، بينما أنا أركبُ السيارة، إذ بذاك الحاقدِ يركبُ معي السيارةَ من غير إذن! وأخذَ يصبُّ عليَّ الأسئلةَ وكأني في جلسة استجواب – وأنا وَقتي ضيقٌ عليه! – ويقول: "السؤال الأول" و"السؤال الثاني". حينها قلتُ له وبكل هدوء: "انزل من السيارة"، وهو يُكرر الأسئلةَ، وأنا أُكرر طلبي بالنزول من السيارة. وأقولُ له: "إنك لستَ جديرًا بمناقشتي، فاطلبْ ممن هم أكبر منك ليناقشوني". وبعد عناده، نزلتُ من السيارة وفتحتُ بابَه، وقلتُ له: "انزل – فواللهِ لو لم تنزلْ لجعلتُ أصابعي الخمسَ في وجهك!" فعلمَ أن رفضَه النزولَ سيكلفه فقدانَ بعض حواسِّه! في تلك اللحظة، زعيمُه وبعضُ أتباعه ينتظرونَ اللحظةَ، فناديتُ بأعلى صوتي وقلتُ: "ليسمعِ الجميعُ أن فلانًا (اسمي) لن يسكتَ بعدَ الآن، وسترونَ مني الوجهَ الآخرَ بعدَ هذا!" بعدها أعلنوا حالةَ الاستنفار القصوى! قالت زينب: "وما كانت النتيجة؟" قلتُ: "القصة طويلةٌ جدًّا، ولكن نهايتُها أن الجميعَ انفضُّوا من حوله، وقد عَلِمَ المُغرَّرُ بهم خطأَهم، وحسُنَت بعدها سيرتُهم معي".




والآن يا زينب: أطلبُ منكِ تَلخيصَ الفوائدِ من قصتي؟ قالت: "إذا حمى وطيسُ التعدي حتى تجاوزَ حدودَ المعقول، كانت المواجهةُ سبيلَ قطعِ حُجَّةِ المعتدي – ومع هذا لن يَسلمَ من كيدهم أحدٌ. هذا عن تلك الخطوط الحمراء". - أن الإنسانَ يغرسُ الخيرَ ويتعهَّدُه بسقْيِه، وهو واضعٌ في الاحتمالِ أنَّ منه ما قد ينبتُ فاسدًا. - أن الإنسانَ لا بدَّ أن يكونَ له هدفٌ في الحياة يسعى لتحقيقه؛ فبذلك يترفَّعُ عن صغائر الأمور. - أن يكونَ واثقًا من نفسه، مُقدِمًا في عرضِ منهجه، صنديدًا حين مواجهتِه. - يُحاولُ جاهدًا تقريبَ وجهات النظر، ويُحاولُ جاهدًا المُقاربةَ والمُسايدةَ. - يتنازلُ عن بعض الأمور التي لا تخدشُ وجهِ الكرامةِ إن كان في ذلك مصلحةُ الجماعة. - أن يكفَّ لسانُه عن إبداء عورات إخوانه، بحيث يُكفَّ لسانُ من يخوضُ في أعراضهم ولو اختلف معهم. - عليه أن يطرقَ أبوابَ الصلحِ؛ سعيًا لاحتواءِ الأمر، ويُضمدُ ذلك الجُرحَ؛ ليكون مُحضِّرًا للخير. - عليه تصفيةُ القلبِ من أدرانِ الحقدِ والحسدِ وشهوةِ الانتقامِ. - يتذكرُ الأيامَ الجميلةَ التي قضاها معهم؛ كي يُدحَرَ بهمزاتُ الشيطانِ. - وأن يجعلَ يقينَه أن الشيطانَ هو العدوُّ الحقيقيُّ، وأن ما حصلَ إحدى مكائده، وأنهم أقوى من كيدِه؛ فيجعلَ العدوَّ الحقيقيَّ هو الشيطانَ لا غيره. - على المؤمنِ أن يكونَ قويًّا في الحقِّ، وحين تكونُ المواجهةُ، لا بدَّ أن يُبيِّنَ الحقيقةَ حين يكونُ هو والباطلُ وجهاً لوجهٍ. - وأن الباطلَ لا بدَّ أن يُنحَرَ بخنجرِ الحقِّ، وألَّا يُجامَلَ في الحقِّ؛ لأنَّ بعضَ التغاضي يجعلُ الباطلَ يستفحلُ ويعظُمُ ليُزاحمَ الحقَّ، فيظنَّه الناسُ بعدَ ذلك حقًّا!

نقاء الورد
01-31-2026, 01:58 PM
مهاجر..بكل صراحه انا لا املك وقتاً للمواضيع الطويله
ولكن مواضيعك تشدني
اعجبتني جداً علاقتك بزينب
وانك على تواصل دائم معها
وفتح عيناها على كل مجريات الحياه
هنيئا لزينب هذا الاب
وهنيئا لك بتلك الزينب الذكيه الفطنه ك ابيها
دمت بكل الخير والسعاده مهاجر

رسم
02-01-2026, 12:36 AM
،.

ما شاء الله
محادثه قيّمه وثرية
ودروساً في التُربيه
صيغت ببراعه وتمّكن رائعين
بارك الله لك في زينب وجميع ذريتُك
وجزاك الله خيراً على هذه الدُروس
والمقال الفاخر

أبدعت وأبهرت
بورك المجهودأخي
مهاجر
:123:

رآنيا
02-17-2026, 01:07 AM
قصة بديعة
جلست اقراها من ساعة انشغل وارجع اكملها
لكني استمتعت حقًا بقراءتها
مزجت بين السرد العاطفي والطرح التربوي والفكري بأسلوب رفيع وجميل جدًا
شكرًا لك على هذه المتعة الأدبية والفكرية
دمت مبدعًا، ودام نبض قلمك

~