مُهاجر
01-30-2026, 11:03 AM
في زمنٍ سُحِقَ فيه وجودُ الثابتين على المبادئ، بعدما كنستِ المنافعُ غالبَ البشر، الذين جنحتْ بهم سفنُ المصالحِ إلى سواحلِ الخذلان، وتاهوا في لجج التنازل، لا يبالون أن تُسحق القيم إن نالوا بها كسرةَ خبزٍ أو رشفَةَ منصب.
تلاشت من قلوبِ أكثرِ الناس تلك المعاني التي كانت صمّامَ أمانٍ من اختراقِ سهامِ الظلمِ أجسادَ القاطنين في أقطارِ هذه المعمورة، وتحوّلت المبادئ إلى زينةٍ لفظيّة، يتغنّى بها الخطباء حين تَخْفُت الأضواء، ثم يطوونها طيّ النسيان مع أوّل اختبار.
فما كان من الناس إلا اختيارُ الطريقِ المختصر، الذي يُغنيهم عن مشقّةِ قاصيِ السفر، ويجنّبُ أنفسَهم وعثاءه، ويُبعدهم عن مقام التضحية ووجع الثبات، وقد ظنّوا أنَّ المراوغةَ فطنة، وأن الانحناءَ مهارة، وأن التلوّن ذكاء.
صاروا يبيعون ضمائرهم بأبخسِ الأثمان، ويشترون صمتهم بورقةٍ خضراء، أو موقعٍ زائل، أو كلمةِ مديحٍ في مجلسٍ لا يدوم.
وما نراه اليومَ ليس إلا شعاراتٍ جوفاء، لا تساوي غيرَ الحبرِ الذي سكبه راعيها على سطورِ الورق، وما أشدّ الفجوةَ بين المقول والمنقول، بين ما يُقال في العلن، وما يُفعل في الخفاء!
أما الثابتون، أولئك القلّة النادرة، فيسكنون قصورَ راحةِ الضمير، وإن كانت أجسادُهم في العراء، وأنفسُهم تشتكي ألمَ التحقيرِ والتهميش. لا يحزنهم فقدُ الألقاب، ولا يبهجهم ضوءُ المنصات، فهم يعلمون أن المجدَ الحقيقيّ لا يُعطى، بل يُكتسَب، ولا يُنالُ بالتزاحم، بل بالصبر والمواقف.
تبقى آثارُ سعيِهم ناطقةً بالمعنى، وإن غاب ذكرُهم في محافلِ الثناء، فهم أشبهُ بجذورِ الشجرة؛ لا تُرى، لكنّها تُمسكُ الكيان من الانهيار. وكم من ساعٍ في صمتٍ قد أنقذ ما لم يُعلَن، وكم من مجهولٍ في الأرض، معروفٍ في ضمير الحق.
لقد ساد التافهون، وتقدّم سفهاءُ الأحلامِ إلى مواقعِ التأثير، وصار الكاذبُ بليغًا، والمتلوّنُ عاقلاً، والمائعُ فقيهَ الواقع، أمّا أهلُ المبدأ فصاروا غرباء، يتداول الناسُ أسماءَهم على استحياء، وكأنهم بقيةُ زمنٍ عفا عليه النسيان.
وكان ذلك جزاءً مشكورًا من لدن من مجّدوا أولئك، وكانوا مطايا لظلمهم، وروّجوا لبهتانهم، وسكتوا عن مآثمهم، لا لجهلٍ، بل لميلٍ، ولا لعجزٍ، بل لهوى.
لكنّ الحقيقةَ لا يغيبُ سناها، ولو اجتمع الثقلان ليحجبوها بغربالِ التزييفِ والخداع، فالحقّ كالشمس، لا تحجبه الغيوم، بل يؤكّد حضورَه احتجابُه. ومهما طال الليل، فإن فجراً يأتي، يرفع الستر عن وجوهٍ صَبَرت، ويعرّي أخرى كانت تقلبُ جلدَها كالحرباء.
الثباتُ ليس موقفًا عابرًا، بل نمطُ حياة، وطريقُ وعيٍ طويل، يخطّه من آمن أن المبادئ لا تسقط بالتقادم، ولا تُخضعها الظروف، ولا تُساوَمُ على موائد التسويات.
فكن من الثابتين، وإن قلّوا، واصحب دربهم، وإن شقَّ، فإن عاقبة الصدقِ سلام، ومآل الثباتِ فلاح، وأما المتلوّنون، فمصيرهم في طيّ النسيان، حتى وإن صعدوا فوق أكتاف المجد الزائف.
تلاشت من قلوبِ أكثرِ الناس تلك المعاني التي كانت صمّامَ أمانٍ من اختراقِ سهامِ الظلمِ أجسادَ القاطنين في أقطارِ هذه المعمورة، وتحوّلت المبادئ إلى زينةٍ لفظيّة، يتغنّى بها الخطباء حين تَخْفُت الأضواء، ثم يطوونها طيّ النسيان مع أوّل اختبار.
فما كان من الناس إلا اختيارُ الطريقِ المختصر، الذي يُغنيهم عن مشقّةِ قاصيِ السفر، ويجنّبُ أنفسَهم وعثاءه، ويُبعدهم عن مقام التضحية ووجع الثبات، وقد ظنّوا أنَّ المراوغةَ فطنة، وأن الانحناءَ مهارة، وأن التلوّن ذكاء.
صاروا يبيعون ضمائرهم بأبخسِ الأثمان، ويشترون صمتهم بورقةٍ خضراء، أو موقعٍ زائل، أو كلمةِ مديحٍ في مجلسٍ لا يدوم.
وما نراه اليومَ ليس إلا شعاراتٍ جوفاء، لا تساوي غيرَ الحبرِ الذي سكبه راعيها على سطورِ الورق، وما أشدّ الفجوةَ بين المقول والمنقول، بين ما يُقال في العلن، وما يُفعل في الخفاء!
أما الثابتون، أولئك القلّة النادرة، فيسكنون قصورَ راحةِ الضمير، وإن كانت أجسادُهم في العراء، وأنفسُهم تشتكي ألمَ التحقيرِ والتهميش. لا يحزنهم فقدُ الألقاب، ولا يبهجهم ضوءُ المنصات، فهم يعلمون أن المجدَ الحقيقيّ لا يُعطى، بل يُكتسَب، ولا يُنالُ بالتزاحم، بل بالصبر والمواقف.
تبقى آثارُ سعيِهم ناطقةً بالمعنى، وإن غاب ذكرُهم في محافلِ الثناء، فهم أشبهُ بجذورِ الشجرة؛ لا تُرى، لكنّها تُمسكُ الكيان من الانهيار. وكم من ساعٍ في صمتٍ قد أنقذ ما لم يُعلَن، وكم من مجهولٍ في الأرض، معروفٍ في ضمير الحق.
لقد ساد التافهون، وتقدّم سفهاءُ الأحلامِ إلى مواقعِ التأثير، وصار الكاذبُ بليغًا، والمتلوّنُ عاقلاً، والمائعُ فقيهَ الواقع، أمّا أهلُ المبدأ فصاروا غرباء، يتداول الناسُ أسماءَهم على استحياء، وكأنهم بقيةُ زمنٍ عفا عليه النسيان.
وكان ذلك جزاءً مشكورًا من لدن من مجّدوا أولئك، وكانوا مطايا لظلمهم، وروّجوا لبهتانهم، وسكتوا عن مآثمهم، لا لجهلٍ، بل لميلٍ، ولا لعجزٍ، بل لهوى.
لكنّ الحقيقةَ لا يغيبُ سناها، ولو اجتمع الثقلان ليحجبوها بغربالِ التزييفِ والخداع، فالحقّ كالشمس، لا تحجبه الغيوم، بل يؤكّد حضورَه احتجابُه. ومهما طال الليل، فإن فجراً يأتي، يرفع الستر عن وجوهٍ صَبَرت، ويعرّي أخرى كانت تقلبُ جلدَها كالحرباء.
الثباتُ ليس موقفًا عابرًا، بل نمطُ حياة، وطريقُ وعيٍ طويل، يخطّه من آمن أن المبادئ لا تسقط بالتقادم، ولا تُخضعها الظروف، ولا تُساوَمُ على موائد التسويات.
فكن من الثابتين، وإن قلّوا، واصحب دربهم، وإن شقَّ، فإن عاقبة الصدقِ سلام، ومآل الثباتِ فلاح، وأما المتلوّنون، فمصيرهم في طيّ النسيان، حتى وإن صعدوا فوق أكتاف المجد الزائف.