المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هاردل - اللقاء !


السمهري
01-01-2026, 01:26 PM
لم يَبْرَحِ الشَّجنُ قلب هاردل مُذْ ذلك اليوم الذي قرأ فيه الرسالة ، وفي إحدى الليالي ذهب إلى قبر مارينا وأطال الوقوف أمامه ثم قال : ها قد وخَطَ الشَّيبُ رأسي وعارضي ولم يَزدْ حُبُّكِ إلا اضطراماً ، وإني أُقسمُ يا مارينا أنكِ أَحَبُّ نَسْمةٍ إليَّ على وجه البسيطة بعد نيرمال ، وما زلتُ مشغوفاً بكُما مُتيَّماً وإن أبلى الثَّرى مَحَاسنكُما ، لأني أحببتُ فيكما قلباً وروحاً لا جسداً .
هاكِ يدي لم أنتِ صامتة ؟ بربكِ أعيدي إلي ذكرى تلك الأيام التي كُنَّا نَجولُ فيها ، ونَسْتكشفُ مَجَاهلَ الجزيرة ، ونعدو عند الجدول الذي تعاهدنا عنده على الوفاء ، ونَقْبعُ على ضفته لتناول الطعام ؟
لقد تعاهدنا على الحُبِّ والوفاء طيلة العمر وإن نأتْ بنا الديارُ ، وشَطَّ المزارُ ، ولكن غالَكِ الرَّدى ، وتوسَّدْتِ الثَّرى ، وبقيْتُ بعدكِ تائهاً في دروب الحياة ، غُدُوِّي مع الحنين ، ورواحي مع الزفرات والأنين .
ثم أَجَالَ ناظره فلم ير إلا الأضْرحة التي تملأ المكان فقال : ما هبَّتْ نسماتُ المساءِ ، وما غرَّدت الطُّيور ، وما اكتملَ البدرُ ، وما هطلَ الغيثُ ، إلا وتفجرتْ يَنابيعُ الشَّوقِ ، وسالتْ حِممُ الحنينِ إليكِ ، ولو اجْتَمعَ جَميعُ نساءِ الدنيا في مَيْعَةِ الصِّبا ، وأتيتِ أنتِ في سن الشَّيخوخة لانصرفتُ إليكِ غير آبهٍ بسواكِ .
ثم أخذ بعض ثرى القبر وضَمَّهُ إلى صدره وقال : لقد أبْحَرْتُ في بحر حبكِ طيلة عمري ، صارعتُ أمواج الحنين ، قطعتُ محيطات الصبابة ، اجتزتُ مَفَاوزَ النَّأي ، مُيَمِّماً نحو قصر الأمل ، وبستان اللقاء ، حتى شارفتُ على مرحلة الشَّيْخُوخة وحِيْلَ بيني وبين ما أصبو إليه ، فسيَّان فراق الحياة والموت ، فكلاهما يَحْصُدُ الأرواحَ ، ويُتْلفُ الأجسادَ ، ويُرْمضُ القلوبَ ، وإن كان لفراقِ الحياةِ بَصيْصُ أملٍ تُعَلِّلُ النَّفْسَ به باللقاء .
ثم صمتَ قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وقال : أيها الفراقُ ، أيها السَّيفُ المصْلتُ على رُؤُوسِ العبادِ ، كم أَسَلْتَ من دمْعٍ ، وأشْجَيْتَ من قلبٍ ، وأسْقمْتَ من جسدٍ ، وأتْلَفْتَ من روحٍ ، يا مُقوِّضَ خيامِ السعادة ، وهادمَ قصورِ المنى والأحلام ، ما أشدَّ وطْأَتَكَ ، وأنْكَى طَعْنَتَك .
تَجُولُ بين الناس التي فرَّقْتَ شملها ، وتَتَبَخْتَرُ بين القلوب التي أحرقتها وأنهكتها ، وأنتَ آمنٌ من أن تُصَابَ أو يُقَادَ منك .
الويل لكَ ! ألا رحمتَ الأعيُنَ الواكفةَ ، والقلوبَ الواجفةَ التي وُسمَتْ بميْسَمكَ ، والأكبادَ المحترقةَ التي شكَّها سَهْمُكَ ، فتَكفَّ ، وتَتَنكَّبَ ، وتنْشَمِرَ ، فعلى من أسْتَعْديكَ ؟ وأنتَ نَذيرُ الموتِ ، ورداءُ السَّقمِ ، وقَرينُ الشَّجنِ ، وأغلالُ الجحيمِ ، وأصْفَادُ العذابِ ، وبَيْداءُ الضَّياعِ ، وصَعيْدُ الجَفَافِ ، وفَارسُ الوغى الذي لا يَرْحَمُ ولا يَعْطف .
انظرْ أي جَمْعٍ لم تُفَرِّقْه ، وأي بيتٍ لم تَلجْه ، وأي قلبٍ لم تُشْجه ، فبِمَ تُرْزأُ أيها الفراقُ لتَعْلمَ ما يُكابدُه من ألْقَيْتَ عليه بكَلْكَلك ؟
قد آذيتني أيها الفراق ، وآلمتني ، وأشجيتني ، وأنهكتني ، ولكني ثابتٌ لا أتزعزعُ ، وصامدٌ لا أنحني ، وإن أخذتَ مني أمَّاً وأباً ، وحُلْتَ بيني وبين حبيبةٍ استحوذتْ على شغاف قلبي مُنْذُ صِغَري ، كنتُ أَتَمنَّى قربها والاقتران بها ، وأحباباً كانوا لي سلوة وسعادة ، فأنْهِكْ قلبي ، وأدْنِفْ جسدي ، وأحْرِقْ عروقي فلن أتَضَعْضَعَ لك ، ولن ألِينَ وأسْتَكيْنَ ، وإن فرَّقْتَ بين روحي وجسدي .

اللقاء !


في أحد الأيام عندما ذهب السَّيِّدُ في نُزْهَةٍ مع عائلته بالقارب أخذت الكتابَ وذهبتْ إلى ضَريْحِ هاردل وقالتْ : ألْقَتْ بي عصا التَّرْحالِ في المدينة التي تَسْتَوْطنها ، فأضلَّتْنا سماءٌ واحدةٌ ، وأقلَّتنا أرضٌ واحدةٌ ، وضَمَّنا بلدٌ واحدٌ ، ولم تَشَأ الأقدارُ أن تَجْمَعَنا إلا بعد مَمَاتكَ ، وكم وددتُ لو كان اللقاءُ سَعيداً ، خَالياً من الشَّجن وذرْفَ الدموع ، تُبَادلني فيه التَّحيَّةَ والعناقَ ، لا لقاء كَهْلَةٍ لرِمَّةٍ باليَةٍ .
انْظرْ إليَّ ، لقد تَغضَّنَ وجهي ، وشابَ رأسي ، واحْدودبَ ظهري ، ولكن قلبي ظل كما عهدته في شبابه قلب الكاعب النابض بالحُبِّ والحنين إلى مرآك ، فوا أسفي ألا أَصلَ إليكَ إلا بعد فوات الأوان !وبعد مُواراتكَ الثَّرى !
لقد كتبْتُكَ بقلبي روايةً لا تَزول ، ونظَمْتُكَ قصيدةً لا تمَّحي ، ورسمتكَ لوحةً بديعةً لا نَظيرَ لها ، ووسَمْتكَ حُبَّاً لا تَطاله الأيامُ ، ولا تَنال منه ، وبعَثْتُكَ كلَّ يومٍ وليلةٍ أمنيةً إلى السماء .
لا تَعْلمُ كم اختلستُ النَّظرَ إليكَ وأنتَ مع سيرفال ، وكم راقبْتُكَ وأنتَ جالسٌ تحتَ الشجرة مع سيدرا تَتَحدَّثان وتُقَهْقهان ، ولا تَعْلمُ كم وددتُ لو أني رَسَمْتُكَ في ذلك العَهْدِ لأنْظُرَ إلى صُورتكَ كلَّما أرَّقني الحنينُ وأناجيها وأبثها ألمي وشجني ، ولا تَعْلمُ كم وددتُ لو أنَّكَ أخذتَ بيدي وجُلْنا حول الرَّابية ، وعَدَونا بجانب الجَدْول ، وتناولنا غداءنا تحت الشَّجرة ، واحتسينا الشاي عند السَّاقية ولكنها الأقدار .
ثم أسْبَلَتْ ناظريها ثم قالتْ: كم وددتُ لو عاد شبابي ! لأكْتُبَ فيكَ روايةً تَصلُ شُهْرَتها عنان السَّماء ، وتَسيرُ بذكرها الرُّكبان ، ولكن لي في قصَّتكَ التي أوْدَعْتها الكتاب الذي معي بعض السَّلوى ، وأنَّى لي أن أكْتُبَ في هذا العمر الذي أصبحتُ فيه على مشارف القبر ، فقد رَقَّ جِلْدِي ، وَوَهَنَ عَظْمي ، وَوَهَى جَلَدِي .
انْظُرْ إلى الطُّيورِ الشَّادية ، والجَدَاول الجارية ، والأشْجَارِ الباسقة ، والأزْهَارِ العابقة ، لكأن شَدْوها زفراتي وأنيني ، وجَرَيَانها دُموعي ، وبُسُوقها طول شجني ، وتَفَتُّحها تَفَتُّح أبواب الأمل التي لا تَلْبَثُ أن تُؤْصَد .¬
ثم صَمَتَتْ وأطالت الصَّمْتَ ثم قالتْ : اعذرني سأقولها فهي كالطَّودِ الأشَمِّ الذي يَكادُ يُخْمدُ أنفاسي .
ثم صمَتَتْ واسْتَجْمعتْ قواها لتقول الكلمة التي طالما أرادتْ قولها : حبيبي هاردل ، حبيبي هاردل ، حبيبي هاردل .
ثم جَثَتْ على ركبتيها وانْخَرَطتْ في البُكاءِ من جديدٍ ، ثم أخرجتْ صندوق الجواهر ومدَّته أمام الضَّريح وقالتْ : ها أنذا أُقَدِّمُ إليكَ أمانتكَ التي أعطيتني إياها في جزيرة النرمليلا التي قَذَفتْكَ الأمواجُ إليها مع قلبي الذي لم يَمْلكْهُ سواكَ ، وأَعدُكَ عند عودتي إلى المدينة أن أنْشُرَ كتابكَ الذي كتَبْتَه ، وأحْتَفظَ به تذكاراً إلى أن يُواريني ضريحي .
ثم وضعتْ صندوقَ الجواهر الذي أعطاها إياه هاردل في جزيرة النرمليلا ونَحَتَتْ على نَصْبِ قَبْرهِ هذه الكلمات : سَأُديرُ ظهري لكلِّ شيءٍ ، وأمحو من قلبي كلَّ ذكرى إلا ذكراكَ كما أدرتَ ظهركَ للدُّنيا ونعيمها ، وقضيتَ نَحْبكَ بهدوء بلا ضَجيجٍ ولا عَجيجٍ في مكانٍ ناءٍ لا أنيسَ لكَ به ولا حبيب ، ولم تُسَاعفْكَ الأقدار فتَقْضي نَحْبَكَ في دياركَ ومرابع طفولتكَ بين أهلكَ وأحبائك .
ثم رفعتْ رأسها وقالتْ : هاجرتَ كهجرة الطُّيور مع فارق أن الطُّيورَ تَعُود أما أنتَ فهاجرتَ بلا إيابٍ ، وتَوَارتْ شَمْسُ عُمركَ خلف وادي الغيابِ السَّحيقِ الذي لا أوبة منه ، وهاهي شمسي تُوشكُ على الأفول ، فقطار العمر يَمْضي في الطريق المرسوم له إلى مَحَطَّةِ النِّهاية بلا إياب .

رسم
01-02-2026, 02:33 AM
،.

كلمات تهتف من قلب فاض به الحنين
واستوطنه الأسى وروح بنار الشّوق تضطرم ..

كم هو رائع وصادق بوحك
أهديتنا حروفاً غايةً في البلاغة والإبداع

رعى الله قلوباً هامت شوقاً وحنين
وجبرها بجمال اللّقاء .. البلسم البارد ..

السّمهري
رائع ما بحت به
دمت بخير ودام فكرك والمداد

:123:

ساكن
01-02-2026, 07:23 AM
لغتك قوية، مشبعة بالصور، وقد نجحت في توظيف السجع دون أن يتحوّل إلى تكلّف، وإن كان الإسهاب في بعض المقاطع قد يرهق القارئ قليلًا، إلا أنه يظل مبررًا بحالة الشجن الطاغية التي لا تعرف الاختصار.
أشكرك على هذا النص الجميل

السمهري
01-03-2026, 07:57 PM
اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين

الموقرة أدويت : تعقيبٌ يتبختر تبختر الربيع بين الفصول (أسعدكِ ربي ورضي عنكِ) .

جزيل الشكر ووافر الامتنان .

السمهري
01-03-2026, 07:58 PM
العزيز ساكن : لله درُّكَ على هذا التعقيب الذي يدل على قارئٍ بارعٍ ، وناقدٍ بصيرٍ (أسعدكَ ربي ورضي عنكَ) .

جزيل الشكر ووافر الامتنان .

فتى سامي
01-04-2026, 07:59 AM
القدير السمهري نص رائع جميل وكلمات رائعة ومعبرة وأبداع فائق

سلمت يداك وسلم ذووقك وروحك

هذا ولشخصك الكريم شكري وتقديري ودمت في ود وسعادة

السمهري
01-04-2026, 10:15 AM
أهلًا بالعزيز سامي : جزيل الشكر ووافر الامتنان لهذا التعقيب البديع الذي بعثَ الأنس والسرور ووأد الشجن (أسعدك ربي ورضي عنك) .

سما
01-05-2026, 08:17 AM
القصة حزينة جدًا وتحسسك بعمق الفراق والحنين
خصوصًا لما وقف هاردل عند قبر مارينا وقال:
غُدُوِّي مع الحنين ، ورواحي مع الزفرات والأنين .
هالكلام يبين قد إيش الألم عميق وما له حدود

وبرضه موقفها وهي تقول:
ولم تَشَأ الأقدارُ أن تَجْمَعَنا إلا بعد مَمَاتكَ
هنا توجع لأنه يشرح قسوة التوقيت
وكيف الأقدار أحيانا تكون أقسى من الفراق نفسه

وبرضه لما قالت هي بعد سنين:
كم وددتُ لو عاد شبابي ! لأكْتُبَ فيكَ روايةً
هنا تحس بالأسى على ضياع الفرص والوقت
رغم الحب الكبير اللي باقي

القصة كلها مؤثرة مليانة وفاء وحب ما يموت
والفراق اللي يترك أثره للأبد
استمتعت وأنا أقرأها وأكثر استمتاع كان
وأنا أقتبس منها عبارات تعكس عمق المشاعر
والصراع بين الحب والقدر
كاتب مبدع لاشك قلم جميل بمجاله واضح بتعابيره
يكتب ويجعلنا نتعمق ونقرا مابين السطور لنعيش
القصه بكل تفاصيلها

ودي لك + تقيمي :10:

السمهري
01-05-2026, 08:41 PM
الموقرة سماء : لا أجد في قواميس الشكر وعبارات الامتنان ما يفي هذا التعقيب البديع بعض حقه (أسعدكِ الله ووفقكِ ورضي عنكِ) .

يا سار ما عاد الشكر يجدي اليوم
عن الشكر تقصر جميع المعاني

(سار = سارة) اضطرني الوزن لحذف حرف التاء ، وهذا شائع في الشعر .

رآنيا
02-02-2026, 02:51 PM
الله ما أجمل قلمك
كتبتَ نصًا لو قرأه من ذاق الفقد بكى ولو قرأه من لم يذقه خافه
لم تبتذل الحزن ولم تتاجر بالدمع بل رفعت الفاجعة إلى مقام الأدب الرفيع
وفي نصك نَفَسُ من يعرف أن بعض القصص لا ختام لها وإنما تُسلَّم من قلبٍ إلى قلب

ابدعت جدا
سلمت قريحتك ويعطيك العافية يارب

السمهري
02-03-2026, 08:56 PM
الموقرة رانيا : جزيل الشكر على هذا المرور العذب والتعقيب البديع .