المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحب الخالد


السمهري
12-23-2025, 07:31 PM
نما إلى سمعها أنه عازمٌ على ترك القرية فأشجاها ما طرق سمعها فاتجهتْ إلى مكان خلوته عند الدوحة المقابلة للنبع وكأنها تستعذب الماء وتختلس النظر بين الفينة والفينة إليه وتقول : يا ترى أهذا آخر لقاء ؟ أهذه آخر نظرة إليه ؟ ويح هذا الحب ألا يعطف ويرأف ؟!
ثم صمتتْ قليلًا ورنتْ بطرفها إلى السماء وقالتْ : يا شجرة الدَّوح يا ملتقى الحب الأول أَحُمَّ الفراق الأبدي ؟ أجفَّتِ الأقلامُ بعدم اللقاء ؟
حبيب قلبي أنَّى وجهتُ لا أرى إلا طيرًا بارحاً يُنذر بنأيٍ وهجرٍ ووداعٍ وآهاتِ وأنينٍ وسفح دموعٍ وحرق قلبٍ وإرماض جسدٍ فرحماكَ بقلبٍ دائم الخفقان لا تسكن بلابله .
اعذرني على هذا الحديث وهذا اليأس فقلبي أمسى دائم الخفقان خشية نأيٍ لا لقاء بعده .
ثم حملتْ جرتها ومضتْ فأتبعها نظره وهو يقول : هل تكونين وائدة شجني وباعثة سعادتي وزارعة بسمتي وضياء حياتي وقمر دنياي وربيع صحرائي وبلبل أيكتي وزهرة بستاني التي وعدتُ بها ؟!
ما زلتُ أنتظر ما يُخبئه لي القدر من سعادة لأنكِ في كل مرةٍ تأتين بها إلي في الحلم يخبرني أهل التأويل أنكِ أنتِ من وعدتُ بها فهل يا ترى تجمعنا الأقدار أم تحول بيننا كما فعلتْ في المرات السابقة فيُطوى الأمل وتَظعن السعادة وتَغيض البسمة ويُنشر الهم ويُقيم الشجن وتَربو الكآبة ؟!
ثم صمتَ قليلًا ونظر إلى النبع ثم نهض ومشى بضع خطوات ثم عاد إلى مكانه الأول وقال : سلامٌ عليكَ يا موطن الأنس والسرور ، سلامٌ عليكَ يا موطن رؤية الحبيبة بلا لقاء ، سأعاود زيارتكَ وأحتفظ بذكرى أيامكَ ولياليكَ مدى العمر .
سأظعن من موطنٍ شغفتُ به لأجل من ترتاده لاستعذاب الماء بسبب ما تناهى إلى سمعي قبل عدة أشهر بأن الأقدار حالتْ دون اللقاء .
ثم حزم أمتعته في تلك الليلة وظعن من القرية مخلِّفًا قلبه فيها عند من يحب .
في الصباح الباكر نهضت الفتاة لتستعذب الماء وعند وصولها النبع لم تره كعادته ومضتْ عدة أيام وهي لم تره فأيقنتْ أنه ظعن من القرية فأشجاها ما حدث وأسقمها فلازمت الفراش لم تبرحه واجتمع عندها أمها وأختاها يمرِّضانها حتى أبلَّتْ قليلًا فنهضتْ واتجهتْ إلى النبع وطافتْ حوله قليلًا ثم اتجهتْ إلى الدوحة واتكأتْ على جذعها ورنتْ بطرفها إلى السماء وقالت : حنانيك أيها الظاعن التارك خلفه قلب فتاة تعيث به الأحزان وتستوطنه أُتن الحنين المضطرمة .
أتهجر قريتك ، وملاعب طفولتك ، وتظعن خلف سحب أمانيك ، وتترك قلبًا هام بكَ نهباً للحنين والأشجان ؟!
لم يطلْ بها المكث في القرية إذْ ظعنتْ مع أهلها إلى إحدى القرى القريبة منهم واستقرتْ فيها وتوطَّدتْ أواصر الصداقة مع بنات القرية اللواتي أُعجبن بها وبأخلاقها فخطبتها إحداهن لأخيها وتم الزفاف وسط سعادة العائلتين .
مضت الأعوام ورزقتْ بطفلة كالقمر ليلة تمِّه في ليلةٍ داجيةٍ لا غيوم فيها ، ومع هذا لم تنس ملاعب طفولتها وشجرة الدَّوح والنبع الذي كانت ترتاده لرؤية من شغف قلبها وودتْ من كل قلبها أن تتاح لها فرصة زيارة تلك المرابع وملء رئتيها من نسيمها العذب .
بعد عامٍ طلبتْ من زوجها أن تزور قريتها وملاعب صباها فأذن لها وصحبها إلى القرية فجالتْ بين أزقة البيوت مستعيدة ذكرى أجمل أيام العمر ولياليه وعندما انتهيا من التجول اتجها إلى النبع وهناك رأيا عند الدوحة شابًّا يبكي فترك زوجته عند النبع وأقبل إليه وقال له : أي داهية ألمتْ بك ؟ وأي خطبٍ حلَّ بساحتك فأشجى قلبك وأسال دموعك ؟
رفع طرفه إليه ونظر إليه مليًّا ثم نظر إلى النبع وقال : توقَّفتْ نسماتٌ عذبةٌ كانتْ تهب من ناحية النبع وثارتْ زوبعةٌ أخذتْ معها يمامةً رؤيتها تَبعثُ في قلبي أنسًا وسرورًا بُدِّلا وحشةً وشجنًا !
ثم صمتَ قليلًا وبقلبه تموج أمواج الحنين وتصطخب ونظر إلى النبع نظر من لا يأبه لمن حوله أو من لا يشعر بوجود أحد ثم قال : أتذكرين يا حبيبة القلب شتلة الحب التي زرعناها ورعيناها إلى أن بسقتْ ؟
لقد صخدتها شمس النأي ، وعرَّتْ أفانينها عواصف الهجر ، فهل نسيتِ العهد أم أخلفته لتطاول المدد ؟!
لم يفهم الزوج مرامه فعاد إلى زوجته وقال لها : إنه لا عقل له ! فهو يتحدث عن الصبا ، ويمامة ، وهبات نسيم ، وحبيبة صبا ، فهلمي بنا لنعد إلى القرية فقد تأخر الوقت .
مضتْ أيامٌ على زيارتها للقرية وتلتها أعوام وشبتْ ابنتها وأضحتْ مطمح أنظار شبان القرية ومهوى أفئدتهم فتقدم لها شابٌّ رضي به والداها وتم الزفاف وبعد انتهاء الزفاف وما يليه من أفراح ومآدب أخذ عروسته ومضى بها إلى منزله وفي أول زيارة له لأهل عروسته أحدت الأم النظر إليه فتعجب وسألها عن سبب هذا فقالتْ له : لقد أعادتني رؤيتكَ لعهد الشباب المنصرم ، عهد المنى والأحلام ، عهد الهوى والليالي العذاب ، عهد اللقاء عند الدوحة الفينانة بجانب النبع العذب .
ثم صمتتْ قليلًا وقالتْ : ما اسم أبيك ؟
فأجابها : الوامق .
فقالتْ : أسكن قرية الشغف ؟
فأجابها قائلًا : نعم سكنها قبل أن يظعن إلى قريتنا ويقترن بأمي .
فقالتْ : أقرئ والدكَ السلام وقل له : لقد نسيتَ زهرة عند النبع في قرية الشغف لم تتفتَّح أوراقها ولم يعبق أريجها بعد رحيل البلبل الصداح من شجرة الدوح .
علت الابن علامات الدهشة وعندما عاد إلى أبيه أخبره بما حدث فترقرقت الدموع بعينيه وقال : منذ ثلاثين عامًا لم أُخلف عادتي في زيارة النبع ، وإني منذ ذلك العهد لا أضع جنبي على فراشي إلا وطيفها نديمي أسامره وأناجيه وأبثه ما أكابده من حنينٍ مرمض .
ابتسم الابن وقال : ضنَّت الدنيا بلقائكما وجادتْ بالوصل لفلذتيكما .
ابتسم الأب وبقلبه تضطرم أُتُنُ الحنين !

Mili
12-27-2025, 03:49 PM
الله مره روعه القصه :245:
نتظر جديدك :22:

T O N Y
12-28-2025, 04:29 AM
-


الحنين لا يموت
لا يخون او يفوت
لا يعرف سوى وجهه واحدة
وقد يقتله الصموت ..
-
قد نقتل انفسنا شوقاً ..
او حباً وندماً ..
وكل ذلك بسبب " الصمت "
ولكنها قصة يشفع آخرها لتفاصيلها
" ضنّت الدنيا بلقائكما
لكنها جمعت فلذتيكما "


-


قصة جميلة حقاُ
شكراً لك .

روح
12-28-2025, 09:28 PM
قرأتُ نصك وكأنني أسير بين النبع والدوحة، أتنفّس الحنين وأصغي لخطى الفراق.
لغةٌ مترفة بالوجع، مشبعة بعذوبة الذكرى، جعلتَ المكان شاهدًا حيًّا على حبٍ لم يُكتب له اللقاء، بل كُتب له الخلود.
أحسنتَ حين جعلت القدر بطلًا خفيًا، يفرّق ليصل، ويمنع ليمنح، ويغلق بابًا ليفتح آخر في جيلٍ جديد.
نصك لا يُقرأ… بل يُعاش، ويترك في القلب أثر نبعٍ لا يجف، ودوحةٍ لا تنسى من احتمى بظلها يومًا.
دمتَ وفيًّا للحرف، فمثل هذا السرد لا يكتبه إلا من يعرف كيف يُوجِع برفق.

— روح

السمهري
12-29-2025, 10:34 AM
الموقرة ميلي : جزيل الشكر لمروركِ العذب .

السمهري
12-29-2025, 10:35 AM
قد نقتل انفسنا شوقاً ..
او حباً وندماً ..
وكل ذلك بسبب " الصمت "
ولكنها قصة يشفع آخرها لتفاصيلها
" ضنّت الدنيا بلقائكما
لكنها جمعت فلذتيكما "


العزيز توني : تبارك الله التقاطة خبير وعين بصير يبصر عوار الكلم ومواطن الضعف والقوة فيه (لله دركَ على تعقيبكَ البارع) .

السمهري
12-29-2025, 10:36 AM
أهلًا بأختي الموقرة روح : لا أخفيكِ أنَّ بعض التعقيباتِ أقرؤه عدة مراتٍ ، ثم أنهضُ وأمشي بضع خطواتٍ وأذهب لإعداد الشاي استعدادًا للتعقيبِ عليها وهذا التعقيبُ البديع البارع في طليعتها بل وعلى رأسها .

تعقيبٌ أضاف للنصِّ من الروعة والبهاء ما لم يكونا فيه ، وكان له غيثًا أغاثَ محله وأحيا جفافه وكساه ثوبًا سندسيًّا . (أسعدكِ الله ورضي عنكِ رضًا لا سُخطَ بعده) .

جزيل الشكر ووافر الامتنان .

رسم
12-30-2025, 09:50 PM
،.
صدقاً
الحنين لا ينتهي
بل يعاود تصوير المشهد،،

أبدعت في تصويره ووصفه
بكلمات بليغه وبفكرٍ عبقريٍ ٍ آسر

السّمهري
أبدعت وأبهرت
سلمت ودمت بخير وسعاده تغمر روحك
:123:

السمهري
01-01-2026, 01:47 PM
الموقرة أوديت : إن كان هناك فصلٌ خامسٌ للسنة يجمعُ بين أنسام الربيع وبهاء الشتاء فهو هذا التعقيب البديع (أسعدكِ الله ورضي عنكِ) .

سما
01-17-2026, 02:36 AM
هل تعلم كاتبنا المبدع ان القصه قريتها كم مره
وكل مره اقراها احتار بالرد فيها
القصة تحسها ما تنقري تنعاش
حب بدأ بهدوء وكبر بصمت وانتهى بحنين بس ما مات
وجعتني فكرة إن المكان ظل شاهد عليهم
النبع الدوحة الذكريات اللي بالقريه
وكيف بعد هالمده اجتمعو بالاولاد ان ولده يتزوج بنتها
هنا
وقل له : لقد نسيتَ زهرة عند النبع في قرية الشغف

يالله هنا مو عتاب قد ما هو حقيقة متأخره
كانها تقول الحب كان موجود بس الوقت ماجاء معانا
أوجع شي إن الوصل ما جاهم لكن جا لأولادهم

ابتسم الابن وقال : ضنَّت الدنيا بلقائكما وجادتْ بالوصل لفلذتيكما .

مبدع كاتبنا واستمتعت وانا اقرا القصه
وانا اكتب الرد فيها كانت ممتعه مع قهوتي
ودي لك +تقيمي :10:

السمهري
01-20-2026, 10:21 PM
الموقرة سماء : سأظلُّ أذكرُ أسماء لن تمحى من ذاكرتي ما حييتُ لروعة تعقيبها وبعد غورها وفي طليعتها (سماء) التي أُمضي بضعة أيام في قراءة تعقيبها ، وعندما تستعصي علي الكتابة أعودُ إلى قراءته ، لأستطيع الكتابة وهذا ما يؤخرني في التعقيب .
أختي الموقرة سماء : أسعدكِ الله ثم أسعدكِ الله ثم أسعدكِ الله سعادة لا شقاء بعدها (جزيل الشكر ووافر الامتنان) .

رآنيا
02-02-2026, 02:47 PM
قصة جميلة جدا
ورغم مرور السنوات وتتابع الأجيال يظل القلب مرتبطًا بالأماكن الأولى للهوى
وهذا يدل على أن الحب والحنين لا يموتان بل ينتقلان ويستمرون عبر الزمن والأجيال

احييك على براعتك في نسج الحب والحنين في نسيج متماسك من الصور والرموز
ابدعت وامتعت
دمت بخير

~

السمهري
02-03-2026, 08:57 PM
الموقرة رانيا : جزيل الشكر على هذا المرور العذب والتعقيب البديع .