السمهري
12-15-2025, 06:32 PM
دُعيَ إلى أحد المحافل فلبَّى واتَّخَذَ مكانًا قصيًّا في البهو وبدأ يُجيلُ عينيه بين الحضور فهذا شيخٌ يحتسي قهوته السوداء ! وهذان رجلان يتحدثان وأحدهما يشيرُ بيده وقد احمرَّ وجهه ! وهذا رجلٌ ينتقلُ من منضدة إلى منضدة لتلبية الطلبات ! وهذا طفلٌ يمدُّ يده محاولًا تناول كأس العصير من على المنضدة فتكفُّ والدته يده وتناوله إياه ! وهذا ... ! وهذا ... !
شعر ببعض الضيق فخرج إلى الحديقة واتَّخَذَ –كما في البهو- مكانًا قصيًّا تحت إحدى أشجار الفاكهة وبدأ يرقبُ الحضور !
استرعتْ انتباهَهُ فتاةٌ ممشوقة القوام هيفاء القد قد انسدل جزءٌ من شعرها فأخفى شطرَ وجهها وهذا ما زادها جمالًا إلى جمال !
كان يختلسُ النظر إليها فإذا نظرتْ صوبه رفع كأس العصير ونظر صوب شجرة التفاح ! لما طال الأمر على هذه الحال نهضتِ الفتاةُ وأقبلتْ ووقفتْ أمامه ، واستأذنته في الجلوس على الكرسي بجانبه فلم يعارضْ !
طال الصمتُ بينهما وهي تنظرُ إلى الندبة فوق حاجبه الأيسر وهو يختلس النظر إلى الشامة في صفحة عنقها الأيمن ، وفجأة قطعتِ الصمتَ بقولها : لا زلتُ أذكرُ خُمَّ الدجاجِ في فناء منزلكم الشرقي ، وكم أتيتُ إليكم فأراكَ تطعمها وتلتقطُ البيض وتهبني بعضه فيمتلئ قلبي بالسرور ! وحينًا تقسمُ حلوى الحلقوم بيني وبينكَ وكأنكَ تشطرُ قلبكَ بيني وبين ما أنتَ فيه !
أما وهبتني أحد الأفراخ وأخبرتني بأنني من عليها الاعتناء به لأحضرَ إليكم كلَّ يومٍ ؟! أما غرستَ غصن شجرة اليوسفي وطلبتَ مني أن أتولَّى سقيَهُ حتى ينمو ؟! الآن فقهتُ كلَّ ما كانَ يحدثُ في ذلك العهد !
أطرقَ برأسه ، فرفعتْ رأسها إلى السماء ، وقالتْ : عندما رأيتُكَ هذه الليلة طاف خيالي بتلك المرابع وذلك العهد وانساق خلف الذكرى !
صمتتْ قليلًا ، ونظرتْ إليه ، فإذا به رافعٌ رأسه إلى السماء مُغْمضٌ عينيه ، ثم فتحهما ببطءٍ ونظر إليها ، وقال : أحببتكِ في سري وجهري ! صحوي ونومي ! صحتي وسقمي ! سروري وشجني ! صباي وإيفاعي ! شبابي وإكهالي ! ولن يبرحَ حبُّكِ والحنينُ إليكِ وذكراكِ قلبي وعقلي إلى الغرغرة !
اغرورقتْ عيناها بالدُّموعِ ، وقالتْ : لقد جَاوزْتَ بحديثك هذا قلبي إلى مالا يُتَجَاوزُ وأَعَدْتَ إليه مالا يَعُودُ وبَعَثْتَ به مالا يُبْعَثُ !
ليتَ حديثكَ هذا طرقَ سمعي في ميعة الصبا ! وليتني علمتُ بما تُكنُّهُ لي من الحبِّ والحنينِ في ذلك العهدِ النضيرِ لأمنَحكَ قلبًا وروحًا وعمرًا !
لم يبرحا مكانهما وفي قلبيهما يعتلجُ ما يعتلجُ ثم نظر إلى السماء وقال (اللهم اللهم اللهم) ثم أطرق برأسه ودموعه تنحدر على وجنتيه وغادرَ الحفلَ جسدًا بلا روحٍ ولا قلبٍ !
لم يطلْ به المقامُ في تلكَ المدينة حتى استقلَّ باخرةً تمخرُ عُبابَ البحرِ إلى مدينةٍ تبعدُ عن مدينته قرابة العشرة أيام ، وللعجب في اليوم الثاني له في السفينة رآها على السطح ترقبُ أُفُولَ الشَّمسِ فدنا منها وحيَّاها وتجاذبا أطراف الحديث !
بدآ يلتقيان عند وجبات الطعام ويرقبان أُفُولَ الشَّمْسِ معًا وعند وصول السفينة إلى وجهتها أخذا عنواني الفندقين الذين سيمكثان فيهما وبعد بضعة أيامٍ تقدَّمَ لخطبتها وتم الزِّفافُ وسطَ لفيفٍ من الأقارب والأصحاب !
رفرفتْ عليهما أجنحة السعادة وشدتْ لهما عنادل الأنس والسرور وكأنَّ عين الشجى غفلتْ عنهما وجحفل النأي غضَّ طرفه !
مضتْ حياتهما على هذا المنوال ، وفي إحدى الليالي كانا يتسامران في الحديقة ، وحديثٌ يجرُّ حديثًا ، حتى قال لها : قد توأدُ الأماني في مهدها ! وقد توصدُ أمامها أبواب التحقيق حين تلوحُ بوادرها ! وقد تأتي على هيئة منحة دثِّرتْ بجلباب **** ! وقد تتأخرُ إلى حيث يكون تحقُّقُها من أعظم المنن والمنح من الرحمن الرحيم ! وأنتِ طالما انتظرتُكِ وطال عهدُ الانتظار والتمنِّي حتى تَقَهْقَرَ الأملُ وبسطَ القنوطُ جَحْفَلَهُ فأَتَيْتِ غَيْثًا وكَّافًا أَحْيَا يَبَابَ قلبي وكَسَاهُ ثَوْبًا سُنْدُسيًّا لا يَبْلَى ولا يُسْأَمُ ويُجْتَوَى !
ومرَّ أَمَامَ ناظره خُمُّ الدَّجَاجِ والحُلْقُومُ وشَجَرَةُ اليُوسُفيِّ فَقَهْقَهَ حتَّى ظَهَرَ نَاجذُ الذَّهَب !
شعر ببعض الضيق فخرج إلى الحديقة واتَّخَذَ –كما في البهو- مكانًا قصيًّا تحت إحدى أشجار الفاكهة وبدأ يرقبُ الحضور !
استرعتْ انتباهَهُ فتاةٌ ممشوقة القوام هيفاء القد قد انسدل جزءٌ من شعرها فأخفى شطرَ وجهها وهذا ما زادها جمالًا إلى جمال !
كان يختلسُ النظر إليها فإذا نظرتْ صوبه رفع كأس العصير ونظر صوب شجرة التفاح ! لما طال الأمر على هذه الحال نهضتِ الفتاةُ وأقبلتْ ووقفتْ أمامه ، واستأذنته في الجلوس على الكرسي بجانبه فلم يعارضْ !
طال الصمتُ بينهما وهي تنظرُ إلى الندبة فوق حاجبه الأيسر وهو يختلس النظر إلى الشامة في صفحة عنقها الأيمن ، وفجأة قطعتِ الصمتَ بقولها : لا زلتُ أذكرُ خُمَّ الدجاجِ في فناء منزلكم الشرقي ، وكم أتيتُ إليكم فأراكَ تطعمها وتلتقطُ البيض وتهبني بعضه فيمتلئ قلبي بالسرور ! وحينًا تقسمُ حلوى الحلقوم بيني وبينكَ وكأنكَ تشطرُ قلبكَ بيني وبين ما أنتَ فيه !
أما وهبتني أحد الأفراخ وأخبرتني بأنني من عليها الاعتناء به لأحضرَ إليكم كلَّ يومٍ ؟! أما غرستَ غصن شجرة اليوسفي وطلبتَ مني أن أتولَّى سقيَهُ حتى ينمو ؟! الآن فقهتُ كلَّ ما كانَ يحدثُ في ذلك العهد !
أطرقَ برأسه ، فرفعتْ رأسها إلى السماء ، وقالتْ : عندما رأيتُكَ هذه الليلة طاف خيالي بتلك المرابع وذلك العهد وانساق خلف الذكرى !
صمتتْ قليلًا ، ونظرتْ إليه ، فإذا به رافعٌ رأسه إلى السماء مُغْمضٌ عينيه ، ثم فتحهما ببطءٍ ونظر إليها ، وقال : أحببتكِ في سري وجهري ! صحوي ونومي ! صحتي وسقمي ! سروري وشجني ! صباي وإيفاعي ! شبابي وإكهالي ! ولن يبرحَ حبُّكِ والحنينُ إليكِ وذكراكِ قلبي وعقلي إلى الغرغرة !
اغرورقتْ عيناها بالدُّموعِ ، وقالتْ : لقد جَاوزْتَ بحديثك هذا قلبي إلى مالا يُتَجَاوزُ وأَعَدْتَ إليه مالا يَعُودُ وبَعَثْتَ به مالا يُبْعَثُ !
ليتَ حديثكَ هذا طرقَ سمعي في ميعة الصبا ! وليتني علمتُ بما تُكنُّهُ لي من الحبِّ والحنينِ في ذلك العهدِ النضيرِ لأمنَحكَ قلبًا وروحًا وعمرًا !
لم يبرحا مكانهما وفي قلبيهما يعتلجُ ما يعتلجُ ثم نظر إلى السماء وقال (اللهم اللهم اللهم) ثم أطرق برأسه ودموعه تنحدر على وجنتيه وغادرَ الحفلَ جسدًا بلا روحٍ ولا قلبٍ !
لم يطلْ به المقامُ في تلكَ المدينة حتى استقلَّ باخرةً تمخرُ عُبابَ البحرِ إلى مدينةٍ تبعدُ عن مدينته قرابة العشرة أيام ، وللعجب في اليوم الثاني له في السفينة رآها على السطح ترقبُ أُفُولَ الشَّمسِ فدنا منها وحيَّاها وتجاذبا أطراف الحديث !
بدآ يلتقيان عند وجبات الطعام ويرقبان أُفُولَ الشَّمْسِ معًا وعند وصول السفينة إلى وجهتها أخذا عنواني الفندقين الذين سيمكثان فيهما وبعد بضعة أيامٍ تقدَّمَ لخطبتها وتم الزِّفافُ وسطَ لفيفٍ من الأقارب والأصحاب !
رفرفتْ عليهما أجنحة السعادة وشدتْ لهما عنادل الأنس والسرور وكأنَّ عين الشجى غفلتْ عنهما وجحفل النأي غضَّ طرفه !
مضتْ حياتهما على هذا المنوال ، وفي إحدى الليالي كانا يتسامران في الحديقة ، وحديثٌ يجرُّ حديثًا ، حتى قال لها : قد توأدُ الأماني في مهدها ! وقد توصدُ أمامها أبواب التحقيق حين تلوحُ بوادرها ! وقد تأتي على هيئة منحة دثِّرتْ بجلباب **** ! وقد تتأخرُ إلى حيث يكون تحقُّقُها من أعظم المنن والمنح من الرحمن الرحيم ! وأنتِ طالما انتظرتُكِ وطال عهدُ الانتظار والتمنِّي حتى تَقَهْقَرَ الأملُ وبسطَ القنوطُ جَحْفَلَهُ فأَتَيْتِ غَيْثًا وكَّافًا أَحْيَا يَبَابَ قلبي وكَسَاهُ ثَوْبًا سُنْدُسيًّا لا يَبْلَى ولا يُسْأَمُ ويُجْتَوَى !
ومرَّ أَمَامَ ناظره خُمُّ الدَّجَاجِ والحُلْقُومُ وشَجَرَةُ اليُوسُفيِّ فَقَهْقَهَ حتَّى ظَهَرَ نَاجذُ الذَّهَب !