المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المحَجَّةُ والغَيُّ !


السمهري
06-26-2025, 05:13 PM
برَّاقُ : كم أودُّ لو عدتُ ذلك الطفل البريء النقي السريرة الخلي مما يعتري قلوب الكبار ! الذي يخرجُ من حلقة تحفيظ القرآن في الساعة الرابعة ليسابق ظله ليدرك ما تبقى من الرسوم المتحركة التي يندمجُ معها اندماجًا تامًّا والشجن يغمر قلبه لبعض ما فيها !
برَّاقُ : تبزغُ شمس الضحى لتضيء الدنيا وتبزغ شموس أترابي من كل فجٍّ ليضيفوا ضياءً وبهجة إلى مغنى الصبا العذب ويبددوا ما يعتري القلوب الصغيرة من شجى وكدر .
برَّاقُ : كم أودُّ لو عاد الصبا ليحوطنا ببردي الأنس والسرور ، ويغمرَنا بغيثه وبهائه ورونقه وعبيره وطهره ونقائه وبراءته ، لنعدو في المربع العذب من شروق الشمس إلى غروبها غير آبهين إلا لما نحن فيه مما يكادُ يفيضُ من قلوبنا من أنسٍ وبشرٍ !
برَّاقُ : يرفرف قلبي على تلك المرابع ، ويجول فيها كما كان طفلًا تفيضُ من جانبيه أنهار الأنس وجداول السرور ! ولم يسلُ ولم ينسَ أولئك الأتراب وتلك البطاح العذبة التي امتزج أريجها مع رئتيه وتأصل تغريد طيورها مع نبض قلبه وتجذر أثلها مع نمو جسده !
برَّاقُ : أيفع الصبيُّ وخفرتْ عنه الشمس الوضاءة ! وارتدى البدرُ غلالة الحياء الرقيقة ! وغادر العندل أيكته إلى أيكةٍ وارفة !
برَّاقُ : أعوجُ على الحيِّ فأجولُ فيه فأرى الكثير من الوجوه الغريبة ! فالمنازل تبدَّلتْ والحيُّ أقوى من جُلِّ أهله ! وما بقي من المنازل فهو خاوٍ على عروشه أمحل طلاؤه ! صدئتْ أبوابه ! تصدعتْ حيطانه !
برَّاقُ : أمضي إلى مسجد الحي الذي أول ما بدأت الصلاة به ، فلا أرى من الوجوه التي أعرفها إلا القليل وقد تبدَّلتْ وبسط الزمن عليها سلطته فأخذ منها شبابها وعنفوانها وأبدلها بالضعف والتجاعيد ! وأبحثُ عن الأشياخ فلا أرى أحدًا منهم لأنهم وفدوا على الحقِّ في دار الحقِّ فتنسابُ دموعي على خدي شجى وأسى ، وأنظر إليَّ فإذا بالشيب غمرني وبدأ يغزوني ما غزا من قبلي من بوادر الضعف والشيخوخة !
برَّاقُ : أُبْتُ بعد هذا العمر من فراديس الصبا وبساتين الشباب وإيوان الكهولة وحيدًا دون أتراب الصبا وأصحاب الريعان ، وإخوان الشباب ! وقد مضى أجمل العمر ، ودرس أنقى المغاني ، ومضوا من لم يبرحوا القلب والعقل ! وأفضى إلى رحمة الله من أفضى معهم الأنس والسرور وأمستْ فراديس وصلهم ولقياهم يبابًا تذروها ريح النأي وتصفِّقُ أبوابها ذواري الذكرى ! فمن أراد المضيَّ فليمضِ ! فمضيُّه ومكثُه سيَّان ! فليس بمدانٍ مُدَّ أو نصيف من مضى وظعن !
برَّاقُ : تعاورتني سيوف النأي ورماح الظعن وسهام الفقد المريشة وقد مال الفارس المثخنُ منها عن صهوة جواده وأوشك على السقوط في موطنٍ لا يحبذه وفي غير الزمن المليء بالطهر والشرة ! وها قد أقبلتْ زوابع الضعف والكهولة لتضعفه -قبل جندلته- في غير ما أحب وأمَّل !
برَّاقُ : كم قَتَلَتِ القَلْبَ بسهمٍ عاقرٍ وسيفٍ شُحذَ سمًّا مَقُوْلَةُ : (ذهب إلى ربه) وليس عقلي كما كان في صباه ليعي أنه مضيٌّ مؤقَّتٌ نلتقي به فيما بعد !
برَّاقُ : سيقال للصغار إن سألوا عني (مضى إلى ربه ليلتقي بأحبابه وسنلتقي به فيما بعد في الجنة) وللكبار (انتقل إلى رحمة الله فسلوا له المغفرة والرحمة) !
أيها الأطفال : عيشوا على أمل اللقاء حتى تلتحقوا بعالم الكبار ! فإذا شببتم وفقهتم فارفعوا أكف الضراعة للرحمن الرحيم أن يغفر لي ويقبل مني ويتجاوز عني ويجعلني من أهل الفردوس ! وإذا حننتم فادعو لي واستغفروا واعلموا أنه أجلٌ وافى وعمرٌ تمَّ وكأسٌ لا محيد من النهل منه وسُكنى لحدٍ لابُدَّ من سكناه ووفودٌ على دارٍ لا مناص من الورود عليها ، واعلموا أنني مضيتُ إلى أحبائي وأودائي –في الجنة- الذين طال حنيني إليهم والذين طالما سألتُ الله أن ألتقي بهم في كنف رحمته !
ربِّ أيا ذا الرحمات المائة : أتيتُ إلى الدنيا باكيًا فاجعل رحيلي منها ضاحكًا مستبشرًا بما بشرتُ به ، واجعلني ممن تقول له الملائكة (هلم إلى ربٍّ رحيم ! هلمَّ إلى روحٍ وريحانٍ وربٍّ راضٍ غيرِ غضبان) !
ربِّ : تنكبتُ المحجة في ريعاني (رياض العلم) وسلكتُ سبيل الغَيِّ (الأدب) ! وقد أدركتني رحمتكَ فزالتِ الغشاوة وانجلى الرانُ فبرحمتكَ اغفر لي ما سلف واعفُ عما اجترحتُ واجعلني من عبادك السابقين إلى طاعتك المجتهدين في التقرب إليك الفائزين برحمتك ومغفرتك ورضوانك وفردوسك !
ربِّ : برحمتكَ حرمتني الكثير من الأماني التي اعتلجتْ بقلبي وأنتَ علام الغُيُوبِ تعلم دخائل الأنفس وما تضمره القلوب ، وتعلمُ جلَّ جلالكَ ما يعتملُ بقلبي وما لم تَكفَّ الأيدي عنه ولم يَنْزِلِ البَصَرُ ويَفْتُرِ الّلِسَانُ منه فلا تحرمني منه برحمتك التي وسعت كل شيءٍ يا أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين !

نايف
06-26-2025, 06:50 PM
نص مؤثر جدًا وممتلئ بالحنين
والصدق والعذوبة
ويمتزج فيه جمال اللغة بعمق الشعور
ختمته بدعاء يهزّ القلب
أسأل الله أن يستجيب لك
ويرزقك الفردوس الأعلى مع من تحب
لاشي هنا سوى الجمال
ياجميل الحرف والمعنى

رسم
06-27-2025, 12:12 AM
،.

اللهمّ آميين

،.
هنا فاضت قربحتك وأبى الشّعور إلاّ أن ينسكب
وهجاً وفكراً وابتهالات ،، امتزجت بصدق الشّعور وعذب الكلام
وأبلغه ،،

ما شاء الله لغتك البلاغية بها قوة جماليه بديعه
جميلة تلك الذّكرى وموجعه حين بقيت ورحل تاركوها ،،
مُبهر ذاك العمق ،، العذب .. الآسر ..
أبدعت وأبهرت
أخي عبدالعزيز
أسعد الله قلبك ورضيَ عنك وأرضاك
:123:

السمهري
06-27-2025, 11:16 AM
اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين

أخي العزيز نايف : أترى الأرض إذا اهتزتْ وربتْ وأنبتتْ من كلِّ زوجٍ بهيجٍ ؟!
هكذا كان تعقيبكَ البديعُ وأثره على قلمي (أسعدكَ ربي أخي سعادة الدارين ورضي عنكَ رضًا لا سُخْطَ بعده) .

امتاني الجم امتناني الجم امتناني الجم .

السمهري
06-27-2025, 11:17 AM
اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين
أختي الموقرة راما : حين يهطلُ الغيثُ ترتوي الأرض وتظهر بثوبٍ سندسيٍّ قشيبٍ ، وهكذا كان قلمي فتعقيبكِ أبدلَ محله خصبًا وقنوطه أملًا (رضي الله عنكِ رضي الله عنكِ رضي الله عنكِ في الدنيا والآخرة ويوم يقوم الأشهاد) .

جزيل الشكر ووافر الامتنان جزيل الشكر ووافر الامتنان .

رآنيا
07-01-2025, 08:40 PM
راائع جدًا ماشاء الله تبارك الله
من النادر أن تُكتب خواطر وجدانية طويلة بهذه القوة والاتزان دون أن تفقد توهجها
كنت قد اضفت لك الختم الذهبي سابقًا لكن الان بعد قراءتي للنص بتعمّق اجد انه يستحق الختم الالماسي
سلم فكرك وبورك فيك

~

سلطان الزين
07-08-2025, 08:35 PM
هكذا هي الحياه ياعزيزي نعيشها منذ نعومة اظافرنا بين فرح وترح.
وتمضي الأيام بنا للأمام وتبقى ذكراها عالقة لاتموت..

ليتنا نعود ولكن للأسف لم ولن تعود.
لنعيش ماتبقّى من حياتنا فرح وسرور

اعجبني مقالك وفكرك الراقي المميز

لروحك النور